لم تمر ساعات على إطلاق لحسن السعدي، كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي، لبرنامجه الجديد “تحفيز نسوة” حتى عادت ذاكرة المغاربة إلى واحد من أكبر وعود حزب التجمع الوطني للأحرار في انتخابات 2021 “مليون منصب شغل”. وعد ضخم تحوّل اليوم إلى رقم من الماضي، بعدما كشفت تقارير رسمية، أبرزها صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، أن البطالة في عهد حكومة أخنوش لم تتراجع، بل ارتفعت إلى مستويات قياسية، خصوصًا في صفوف الشباب والنساء.
السعدي الذي ظهر أمام الكاميرات في سلا وهو يتحدث عن “خلق 5000 منصب شغل في أفق 2028”، بدا كمن يكرر مشهدًا مألوفًا في خطاب الحزب الحاكم. خطابات مشبعة بالحماس، وأرقام براقة، لكن بلا أثر حقيقي على الأرض. فبينما يتحدث كاتب الدولة عن “التمكين الاقتصادي للنساء” و”تحويل النوايا إلى أفعال”، لا يجد كثير من المغاربة في هذه التصريحات سوى صدى الوعود السابقة التي أطلقها الحزب ثم تلاشت دون حساب أو تقييم.
مصادر سياسية تحدث الى نيشان، رأت أن تصريحات السعدي تحمل نَفَسًا انتخابيا أكثر مما تعبّر عن رؤية اقتصادية واقعية، خصوصًا وأن البرنامج أُطلق قبل أقل من عام على نهاية الولاية الحكومية. فالمغزى، كما تقول المصادر، “هو إحياء صورة الحزب داخل الشارع الذي بدأ يفقد الثقة في خطاب الإنجازات، بعد أن عجزت الحكومة عن تحقيق وعودها الاجتماعية الكبرى، وتعالت مطالب “جيل زيد” مطالبة برأسها”.
السعدي، الذي يوصف داخل حزب الأحرار بـ“الابن المدلل لأخنوش”، لم يُخف يوما ولاءه الكامل لرئيسه، بل جعل من الدفاع عنه درعًا سياسيًا فتح له الأبواب بسرعة غير مسبوقة. فمن معلّم بسيط في إحدى فرعيات سوس إلى برلماني ورئيس لجنة المالية بمجلس النواب ثم كاتب دولة برتبة وزير، في ظرف بضع سنوات، صعد السعدي درجات السلطة بسرعة تُثير أكثر من سؤال حول معايير الكفاءة والجدارة في حكومةٍ ترفع شعار “حكومة الكفاءات”.
لكن المفارقة، كما تصفها المصادر، أن البرامج التي يطلقها السعدي تتكرر بنفس العناوين والأهداف دون أن تغيّر شيئا في واقع التعاونيات والحرفيين، خصوصًا في الجهات التي يعاني فيها الاقتصاد الاجتماعي من هشاشة حقيقية. فبدل دعم فعلي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، تُوزَّع الوعود وتُعقد الورشات، بينما يبقى أثرها على الأرض محدودا، بل منعدما في كثير من الحالات.
وفي وقت يُسوّق فيه السعدي برنامجه الجديد كشهادة على “العمل الميداني”، ترى مصادرنا أن الزمن الانتخابي بات أقوى من الزمن الحكومي. فكل المبادرات التي تُعلن في هذا التوقيت – سواء في الصناعة التقليدية أو الاقتصاد الاجتماعي – تبدو أقرب إلى محاولات لتلميع الصورة استعداداً لاستحقاقات 2026، أكثر من كونها خططا لمعالجة أزمة البطالة المستفحلة.
ويبقى السؤال الذي يردده المغاربة في المقاهي والمنتديات والشبكات الاجتماعية “هل تكفي 5000 فرصة شغل لإقناعهم بأن الحكومة التي وعدت بمليون منصب لم تفشل؟ أم أن ما ما يجري اليوم ليس سوى تكرار لوصفة قديمة. وعودٌ كبيرة، ونتائج صغيرة، ومسؤولون يبحثون عن شرعية انتخابية جديدة.
في المقابل، تتراكم على السعدي انتقادات واسعة داخل قطاع الصناعة التقليدية نفسه. فالنقابات المهنية وجّهت له في الأيام الأخيرة اتهامات بالاستفراد في إعداد مشروع النظام الأساسي لموظفي غرف الصناعة التقليدية، دون أي إشراك حقيقي للتمثيليات النقابية، معتبرة أن الصيغة التي تم تسريبها “تخدم منطق الولاءات أكثر مما تخدم مصلحة الموظفين”. كما واجه كاتب الدولة انتقادات لاذعة بسبب ضعف تواصله مع المهنيين وتغييبه المقاربة التشاركية في تدبير الملفات الكبرى للقطاع.
وفي أوساط المهنيين، يُنظر إلى السعدي على أنه شخص بعيد عن المجال الذي يديره، يفتقر للخبرة الميدانية في شؤون الحرف والصناعات التقليدية، ويعتمد على منطق التسويق السياسي أكثر من البناء المؤسساتي. ويصف أحد ممثلي غرف الصناعة التقليدية أداءه بأنه “نسخة من الأداء الحكومي العام، كثير من الوعود، وقليل من النتائج”، مضيفًا أن “القطاع يعيش اليوم حالة ركود غير مسبوقة في ظل غياب رؤية واضحة أو خطة فعلية لإنعاش الحرفيين الذين تضرروا من غلاء المواد الأولية وضعف الإقبال”.
في النهاية، يبدو أن لحسن السعدي يسير على خطى رئيسه في الحكومة، مُفضلاً لغة الوعود والبرامج الورقية على معالجة الإشكالات العميقة التي يعيشها القطاع الذي يشرف عليه. وبين “تحفيز نسوة” اليوم و”مؤازرة” الأمس، تتقلص الثقة في كل مبادرة جديدة تصدر عن وزارةٍ تُكثِر من الخطاب وتُقِل من الفعل.







