عادت تداعيات الصفقة التي أطلقتها المندوبية السامية للتخطيط العام الماضي، والتي خصصت 17 مليون درهم (1.7 مليار سنتيم) لتوظيف 117 عاملاً مؤقتاً للقيام بمهام إحصائية، لتطفو مجدداً على السطح وتفجر موجة من الغضب داخل المؤسسة. فقد وجّهت النقابة الوطنية للتخطيط اتهامات للمندوب السامي شكيب بنموسى بـ«تهميش الأطر الداخلية» وإقصائها من مهام مركزية لفائدة شركات مناولة، في خطوة أثارت مخاوف بشأن مستقبل المرفق الإحصائي العمومي ومصداقيته.
الصفقة، التي أُطلقت بعيد تعيين بنموسى في أكتوبر 2024 خلفاً لأحمد لحليمي، نصّت على تشغيل مؤقتين لتولي مهام كانت لعقود من صميم اختصاصات موظفي المندوبية، من قبيل حصر العينات، والتواصل الميداني، وملء الاستمارات، وإدخال وتحليل البيانات، مقابل أجور يومية وتعويضات محددة. وقد بررت الإدارة حينها هذه الخطوة بالحاجة إلى مواجهة الخصاص المزمن في الموارد البشرية، والذي بلغ 168 منصباً خلال خمس سنوات، مع توقع إحالة مئات الموظفين على التقاعد بين 2022 و2025.
لكن بعد مرور عام، تفجرت الانتقادات من داخل المؤسسة نفسها، حيث تحدثت مصادر مطلعة عن حالة استياء واسعة وسط الأطر والموظفين، الذين اعتبروا أن تفويت المهام الإحصائية لشركات المناولة «أقصى الكفاءات الداخلية جانباً» وأضعف من دورها التقليدي في قيادة العمليات الميدانية. واعتبرت هذه المصادر أن ما يحدث يعكس توجهاً جديداً في تدبير الملفات الحساسة، ويشكّل «تراجعاً خطيراً» عن نهج مؤسساتي مستقر لعقود.
النقابة الوطنية للتخطيط، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، كانت قد راسلت المندوب السامي في مناسبتين، الأولى في يناير والثانية في شتنبر من هذا العام، بشأن اختلالات امتحانات الأهلية المهنية وسياسة الإقصاء المتبعة، غير أنها لم تتلق أي رد. وفي بيان شديد اللهجة، اتهمت النقابة الإدارة بـ«التعاطي غير المسؤول» مع المطالب المشروعة، محذّرة من انعكاسات النهج الحالي على استقرار المؤسسة وصورتها أمام الرأي العام.
كما أكدت النقابة أن تغييب الأطر الداخلية يهدد بتقويض الرصيد المهني المتراكم، ويمس بمبدأ الحكامة الجيدة المنصوص عليه دستورياً، داعية إلى إشراك حقيقي لكل الكفاءات في جميع مراحل العمليات الإحصائية والبحوث الوطنية. وحمّلت الإدارة مسؤولية ما قد ينجم عن استمرار هذه السياسة من احتقان اجتماعي، ولوّحت بخطوات احتجاجية مرتقبة للدفاع عما أسمته “كرامة شغيلة المندوبية ومصداقيتها”.







