شدّد محمد عبد النباوي، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، على أن محاربة الفساد ورشٌ استراتيجي دائم في المغرب “لا يرتبط بتقلّبات اللحظة”، بل يتأسس على رؤية ملكية راسخة عمادها دولة الحقّ والمؤسسات.
جاء ذلك في الكلمة الافتتاحية لأشغال يومين دراسيين حول “تعزيز آليات الرقابة على تدبير الأموال العمومية”، التي تنظّمها رئاسة النيابة العامة بشراكة مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية والمجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للمالية.
وأبرز عبد النباوي أن الجرائم المالية ليست مجرد خروقات قانونية، بل “اعتداء على قيم المجتمع وثقته في مؤسساته”، معتبرًا أن مكافحتها تستلزم تضافر جهود السلطات والمواطنين. واستحضر في هذا السياق الخطاب الملكي لعيد العرش 2016 الذي أكّد أن محاربة الفساد قضية الدولة والمجتمع، ولا ينبغي أن تكون موضوع مزايدات أو تُمارَس خارج إطار القانون، ما يحمّل القضاة “مسؤولية تاريخية” في جعل العدالة الجنائية رافعة للثقة العامة وضمانة لسيادة القانون والمساءلة.
وعرض المسؤول القضائي حصيلة محدثة لعمل أقسام الجرائم المالية: 436 قضية مسجّلة خلال السنة القضائية المنصرمة، و249 حكمًا صادرًا إلى غاية منتصف 2025، بنسبة إنجاز تتجاوز 71% ضمن الآجال الاسترشادية. وأشار إلى أن هذه المتابعات أفضت إلى أحكام باسترجاع مبالغ مهمة لفائدة الخزينة العامة، “حتى يستفيد منها المواطنون، وفي مقدمتهم دافعو الضرائب”.
ولتعزيز النجاعة، كشف عبد النباوي عن مسار مؤسساتي متدرّج: إحداث بنية إدارية متخصصة سنة 2023 داخل قطب القضاء الجنائي لتتبّع أداء أقسام الجرائم المالية وفق مؤشرات مضبوطة (القرار التنظيمي 16/23)، وتوقيع مذكرة تفاهم ثلاثية في 30 يونيو 2022 بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة والمجلس الأعلى للحسابات، قصد تقوية التنسيق المؤسسي وتأهيل الموارد البشرية وتطوير آليات تبادل المعلومات والتحليل المالي.
وأكد أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية يضع ضمن أولوياته تعزيز الكفاءة المتخصصة للقضاة عبر التكوين المستمر وتوحيد الرؤى وتطوير منهجيات التحليل المالي والقانوني واستثمار التكنولوجيا في التتبع والتحقيق. وفي هذا الإطار، تنطلق سلسلة لقاءات تكوينية تغطي سلسلة المسار القضائي في قضايا الفساد المالي: من التتبع والتحقيق والأدلة والتقارير المحاسبية، إلى التعاون القضائي الدولي واسترداد الأموال.
وأشاد عبد النباوي بـدور المجلس الأعلى للحسابات في تدقيق الحسابات العمومية وإحالة التقارير ذات الصلة، وبجهود النيابة العامة في تتبع الدعوى العمومية، معتبرًا أن القضاء المالي صمّام أمان لتخليق الحياة العامة، وأن الرفع من كفاءته وفعاليته مؤشّر على نجاح الإصلاح القضائي الذي أراده جلالة الملك إصلاحًا متواصلًا ومتدرّجًا. كما نوّه بقضاة وموظفي أقسام الجرائم المالية الذين أبانوا، عبر أحكام رصينة واجتهادات متقدمة، عن قدرة القضاء على التصدّي للانحراف المالي مع احترام ضمانات المحاكمة العادلة.
وخَلُص إلى أن بناء نموذج مغربي متميّز في مكافحة الفساد يمر عبر دقّة قانونية وصرامة أخلاقية ونجاعة مؤسساتية، في إطار رؤية تجعل من الوقاية والرقابة والمساءلة مسارًا تكامليًا، يعزّز ثقة المواطنين في مؤسساتهم ويحصّن المال العام ضمن دولة الحقّ والقانون.
عبد النباوي: مكافحة الفساد ورش استراتيجي دائم يقوم على دولة الحقّ والمؤسسات







