عاد ملف العقارات السلالية بجماعة الراشيدية إلى واجهة النقاش السياسي والمؤسساتي، بعد أن وجّه النائب البرلماني عن فريق الأصالة والمعاصرة، عبد الله العمري، سؤالاً كتابياً إلى وزير الداخلية “عبدالوافي لفتيت” بشأن ما اعتبره “تعثراً مثيراً للقلق” في تنفيذ مشاريع استثمارية سبق أن أبرمت في إطار تفويت أو كراء أراضٍ سلالية بالمنطقة، دون أن ترى النور رغم مرور سنوات على توقيع العقود.
السؤال البرلماني، أعاد إلى السطح جدلاً قديماً حول تدبير “أراضي الجموع” في الجنوب الشرقي للمملكة، بعدما تبين – حسب النائب – أن عدداً من المستثمرين المستفيدين لم يلتزموا بما نصت عليه دفاتر التحملات والعقود المبرمة معهم، ما جعل تلك المشاريع الموعودة تتوقف في منتصف الطريق، أو لا تنطلق أصلاً، في خرقٍ واضح للترسانة القانونية التي تؤطر تدبير أملاك الجماعات السلالية.
وأشار العمري إلى أن الإصلاح التشريعي الذي عرفه هذا المجال خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما القانون 62.17 والمرسوم التطبيقي رقم 2.19.973 الصادر في يناير 2020، كان يُفترض أن يفتح الباب أمام دينامية جديدة للاستثمار في العقار الجماعي، ويُحوِّل هذه الثروة العقارية إلى رافعة للتنمية ومحاربة الفقر بالعالم القروي، غير أن الواقع الميداني – كما قال – أفرز صورة مختلفة تُظهر مشاريع متعثرة، ومستفيدين تخلّفوا عن تنفيذ التزاماتهم دون أن تُفعّل ضدهم المساطر القانونية التي تتيح فسخ العقود واسترجاع الأراضي.
وطالب البرلماني وزير الداخلية بتوضيح مصير هذه المشاريع المتوقفة، وكشف الإجراءات المتخذة أو المزمع اتخاذها في حق المستثمرين الذين لم يحترموا بنود التعاقد، مؤكداً أن استمرار هذا الوضع يفرغ الإصلاح القانوني من مضمونه ويُفقد الثقة في وعود التنمية المعلنة لفائدة الساكنة المحلية.
ويأتي التحرك البرلماني في سياق اجتماعي محتقن بالجنوب الشرقي، حيث تعالت منذ أشهر أصوات غاضبة من ساكنة القصور والدواوير، احتجاجاً على ما تصفه بـ“تهميش ذوي الحقوق” و“تبديد فرص التنمية” المرتبطة بالأراضي السلالية. ففي يوليوز الماضي، خرجت مظاهرات في قصري حرث وآيت فاسكى بإقليم الراشيدية للمطالبة بتمكين السكان من حقهم في استغلال أراضيهم، متهمين السلطات المحلية بالتقاعس عن تسوية هذا الملف الذي “يراوح مكانه منذ عقود”.
ويرى فاعلون جمعويون بالمنطقة أن أراضي الجموع، عوض أن تتحول إلى أداة لتقليص الفوارق المجالية، أصبحت مرآةً للاختلالات البنيوية في تدبير الشأن العقاري القروي، محذرين من أن استمرار هذا الجمود “قد يحوّل الملف إلى قنبلة اجتماعية” في ظل تفاقم البطالة وغياب بدائل اقتصادية حقيقية. ويؤكدون أن الحل يمر عبر تفعيل القوانين القائمة بصرامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة في كل ما يتعلق بالاستثمار في العقار السلالي.
ومع توالي الأسئلة البرلمانية واحتجاجات الميدان، يبدو أن ملف العقارات السلالية في الراشيدية يدخل مرحلة جديدة من التمحيص السياسي والمساءلة، وسط انتظار رد وزارة الداخلية وتدخلها لاسترجاع أراضي الجماعات إلى غاياتها الأصلية.







