رغم الطفرة الرقمية التي يشهدها المغرب في السنوات الأخيرة، كشفت معطيات جديدة عن استمرار ما يوصف داخل القطاع المالي بـ“فجوة القبول” التي تعيق الانتشار الواسع للدفع الإلكتروني في الأسواق المغربية. فبينما تتزايد أعداد البطاقات البنكية النشطة بالملايين، ما تزال نقاط استعمالها محدودة بشكل يحدّ من الأثر الاقتصادي للتحول نحو الأداء الرقمي.
المعطيات جاءت ضمن دراسة حديثة أنجزتها شركة “فيزا إنترناشيونال المغرب” بعنوان Value of Acceptance، وعُرضت نتائجها خلال مائدة مستديرة نُظمت بالدار البيضاء أمس الخميس الموافق 23 أكتوبر الجاري، بحضور مديرها العام سامي رمضان، الذي شدد على أن “المعركة الحقيقية في المغرب لم تعد في إصدار البطاقات، بل في توسيع رقعة القبول”.
الدراسة التي شملت 260 مقاولة صغيرة وصغيرة جداً بكل من الدار البيضاء والرباط ومراكش، خلصت إلى أن 60% من التجار المغاربة يستخدمون حلولاً للدفع الرقمي منذ أكثر من ثلاث سنوات، وأن ثلثيهم يفضلون التعامل الإلكتروني على النقدي لما يوفره من أمان وسهولة في التسيير. ورغم هذا التحول الذهني، فإن 42% من التجار ما زالوا يعتمدون حصرياً على النقد، فيما يعتزم 55% اقتناء أجهزة الأداء الإلكتروني خلال العامين المقبلين.
وتُقدّر الدراسة أن السوق المغربي يتوفر على نحو 1.2 مليون مقاولة وتجّار قابلين للانخراط في منظومة القبول الرقمي، غير أن النقد ما يزال يستحوذ على 63% من مجمل المعاملات الوطنية. وهو ما يجعل “فجوة القبول” — وفق خبراء القطاع — أحد أكبر العوائق أمام تحقيق المردودية الكاملة للتحول الرقمي في الاقتصاد المغربي.
وتبيّن من خلال البحث أن 71% من التجار يعتبرون التعامل النقدي “مجازفة” بسبب مخاطر السرقة والنزاعات، في حين يرى 67% منهم أن الأداء الرقمي دعم نمو أنشطتهم. كما أكّد 70% من الذين اعتمدوا أجهزة الدفع الإلكتروني أنهم لاحظوا زيادة في رقم معاملاتهم، بينما عبّر 91% عن رضاهم الكامل عن التجربة.
المدير العام لـ“فيزا المغرب”، سامي رمضان، أوضح أن “القبول الرقمي ليس كلفة مصرفية، بل استثمار في الإنتاجية”، مؤكداً أن “كل جهاز أداء نشط يفتح الباب أمام زبناء جدد، ويمنح المعاملات التجارية ثقة وسلاسة أكبر”. كما شدد على ضرورة تبسيط الولوج إلى الأدوات الرقمية وتكثيف برامج التوعية لفائدة التجار والحرفيين.
وعلى المستوى الاقتصادي الأشمل، تشير الدراسة إلى أن الانتقال نحو الأداء الرقمي يمكن أن يرفع الناتج الداخلي الخام للمغرب بما بين 3 و5% خلال عشر سنوات، ويقلص حجم الاقتصاد غير المهيكل بنسبة تصل إلى 13%، إذا واصل القطاع نموه الحالي.
وحددت “فيزا” أربعة محاور رئيسية لتسريع هذا التحول: خفض التكلفة، تعميم التكوين والتحسيس، تسريع الابتكار التكنولوجي، وتعزيز الأمان السيبراني. كما أوصت بتوسيع المنافسة بين الجهات المقتنية لتقليص الكلفة وتحفيز الابتكار، وتعميم حلول مبتكرة مثل “Tap-to-Phone” التي تحول الهواتف إلى أجهزة أداء رقمية دون الحاجة إلى تجهيزات مكلفة.
وتعتبر الشركة أن المغرب يعيش اليوم “لحظة مناسبة” لتوسيع القبول الرقمي، مستفيدا من الدينامية السياحية، وصعود المحافظ الإلكترونية، وتزايد الشراكات بين البنوك والفينتك والاتصالات. فحسب “رمضان”، “التحول لا يُقاس بعدد البطاقات الصادرة، بل بعدد العمليات المنجزة فعلاً على الأرض”، مؤكداً أن “القبول هو البنية التحتية الخفية التي تحول البطاقات الجامدة إلى أدوات إنتاجية ومحرّك حقيقي للنمو”.







