فتح قرار لمحكمة النقض نقاشاً جديداً حول الجهة المختصة في قضايا انقطاع الماء والكهرباء، بعدما اعتبرت أعلى هيئة قضائية بالمملكة أن دعاوى التعويض الناتجة عن أضرار سببها المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب تدخل في صميم اختصاص القضاء الإداري، باعتباره مكلفاً بمراقبة أعمال أشخاص القانون العام ومسؤوليتهم عن المرفق العمومي.
وجاء هذا الحسم القانوني في قرار صدر حديثا تحت رقم 225 في الملف الإداري رقم 2023/1/4/830، قضت فيه محكمة النقض بإلغاء حكم سابق للمحكمة الإدارية بالدار البيضاء، كانت قد صرّحت بعدم اختصاصها النوعي في دعوى رفعتها الشركة الملكية المغربية للتأمين ضد المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، على خلفية أضرار لحقت بمصنع تابع لشركة متخصصة في تصنيع حفاضات الأطفال، بسبب انقطاعات متكررة في التيار الكهربائي.
وتعود فصول الملف إلى سنة 2020 حين عرف المصنع، الواقع في المنطقة الصناعية، انقطاعات كهربائية متوالية بين شهري يوليوز وأكتوبر، تسببت – وفق الخبرة التقنية المرفقة بالملف – في إتلاف عدد من الآلات والمعدات الأساسية، وتوقيف الإنتاج بشكل كامل لأيام، ما كبّد الشركة خسائر مادية قاربت 436 ألف درهم. شركة التأمين التي كانت تغطي المصنع المتضرر أدّت تعويضا قدره نحو 57 ألف درهم، إلى جانب أكثر من 31 ألف درهم كمصاريف خبرة، قبل أن تتجه إلى القضاء مطالبة المكتب الوطني بتحمّل المسؤولية والتعويض باعتباره مرفقاً عمومياً تسبب نشاطه في الضرر.
لكن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء رفضت النظر في الملف بدعوى “عدم الاختصاص النوعي”، وهو القرار الذي طعنت فيه شركة التأمين أمام الغرفة الإدارية بمحكمة النقض، معتبرة أن الضرر ناتج عن نشاط مرفق عمومي خاضع بطبيعته لاختصاص القضاء الإداري.
وفي قرارها النهائي، أكدت محكمة النقض أن الأمر يتعلق بـ”دعوى تعويض عن الأضرار التي تسببها أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام”، مشيرة إلى أن المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، باعتباره مؤسسة عمومية، يُسأل أمام القضاء الإداري عندما تلحق أضرار بالغير نتيجة أداء مهامه، حتى وإن كانت هذه الأضرار خارج العلاقة التعاقدية مع الزبناء.
وبناءً على ذلك، قضت محكمة النقض بإلغاء الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء، والتصريح باختصاص هذه الأخيرة نوعياً للنظر في الدعوى وإرجاع الملف إليها لمتابعة البت في الموضوع.
ويُرتقب أن يُحدث هذا القرار أثراً فقهياً وقضائياً مهماً في تحديد المسؤولية الإدارية للمرافق العمومية الحيوية كالكهرباء والماء، ويؤسس لاجتهاد قضائي واضح في معالجة النزاعات المشابهة التي تمس مؤسسات الإنتاج والمصانع المتضررة من الانقطاعات المتكررة لخدمات حيوية.







