عادت مجدداً الاتهامات الموجهة إلى الأسمدة المغربية إلى واجهة النقاش في فرنسا، بعد أن نقلت وسائل إعلام محلية تصريحات لطبيب تغذية فرنسي ربط فيها بين مادة “الكادميوم” الموجودة في بعض المخصبات القادمة من المغرب، وبين ارتفاع حالات الإصابة بسرطان البنكرياس في فرنسا. تصريحات الطبيب، التي سرعان ما انتشرت على نطاق واسع، أثارت موجة من الجدل بين من اعتبرها إنذاراً علمياً يجب التوقف عنده، ومن رآها امتداداً لحملات متكررة توظف البعد الصحي في معارك اقتصادية حول سوق الأسمدة العالمية.
الطبيب الفرنسي أرنو كوكول، قال في مقابلات إعلامية إن “الكادميوم الموجود في الأسمدة المغربية مسؤول جزئياً عن زيادة حالات سرطان البنكرياس، خصوصاً بين الفئات الشابة في فرنسا”، مضيفاً أن بلاده “تربطها بالمغرب اتفاقيات خاصة في هذا المجال تجعلها أكثر عرضة لهذا النوع من التلوث مقارنة بدول أوروبية أخرى”. ودعا الطبيب إلى “وقف واردات الأسمدة القادمة من المملكة إلى حين معالجة المشكلة”.
التصريحات استندت إلى معطيات عامة حول ارتفاع حالات سرطان البنكرياس في فرنسا إلى نحو 16 ألف حالة سنة 2023، وإلى تصنيف منظمة الصحة العالمية لمادة الكادميوم كـ“مسرطن مؤكد” منذ عام 2012، لكنها لم تُدعّم بأي دراسة علمية جديدة تثبت علاقة مباشرة بين الأسمدة المغربية والإصابة بالمرض. ورغم ذلك، لقيت تصريحات كوكول صدى واسعاً في عدد من المنابر الفرنسية التي أعادت فتح ملف استيراد الفوسفاط المغربي ومشتقاته.
في المقابل، اعتبرت مصادر مهنية مغربية أن ما ورد في هذه التصريحات “غير مؤسس علمياً”، مشيرة إلى أن جميع الأسمدة المتداولة في السوق الأوروبية، بما فيها القادمة من المغرب، تخضع لاختبارات صارمة تطابق التنظيم الأوروبي (2019/1009)، الذي حدد منذ يناير الماضي الحد الأقصى المسموح به من الكادميوم في 20 ميليغراماً لكل كيلوغرام من الفوسفاط (P2O5). كما تؤكد الوكالة الفرنسية للسلامة الصحية والغذائية (Anses) أن الأسمدة المستوردة من المملكة تحمل ملصق “منخفض الكادميوم”، المعتمد في الاتحاد الأوروبي.
وترى مصادر مطلعة، أن إعادة طرح هذا الملف ليست معزولة عن السياق التجاري والاقتصادي الذي يشهد منافسة حادة في سوق الأسمدة، خاصة بعد توسع حضور الفوسفاط المغربي في الأسواق الأوروبية والإفريقية خلال السنوات الأخيرة. فالمغرب بات واحداً من أبرز المزودين العالميين للأسمدة المستدامة، وهو ما يضعه في موقع حساس أمام لوبيات الإنتاج المحلية في أوروبا، التي سبق أن استخدمت الملف نفسه مطلع العام الجاري بعد بث القناة الفرنسية “M6” لربورتاج مشابه ربط بين الأسمدة المغربية ومستويات الكادميوم في المواد الغذائية، دون أن يقدم أدلة تحليلية تدعم تلك المزاعم.
في المقابل، يرى مختصون في علم السموم أن التخوف من الكادميوم ليس بلا أساس، إذ تُعتبر هذه المادة من المعادن الثقيلة التي تتراكم في الجسم مع مرور الوقت وقد تسبب أمراضاً مزمنة في الكبد والكلي والرئتين، كما تربط بعض الدراسات بين التعرض الطويل لها وارتفاع خطر الإصابة بأنواع معينة من السرطان. ويؤكد هؤلاء أن خطورة الكادميوم تعتمد على الكمية المتراكمة وطول مدة التعرض، وليس فقط على مصدرها، مشيرين إلى أن هذه المادة توجد بشكل طبيعي في التربة وفي عدد من المنتجات الزراعية حول العالم.
وتبقى المفارقة، حسب المصادر، أن الاتهامات المتكررة ضد الأسمدة المغربية لم تُرفق إلى اليوم بأي نتائج علمية منشورة في دوريات محكمة أو تقارير صادرة عن مؤسسات رقابية مستقلة، ما يجعل النقاش قائماً بين من يرى في الملف “قضية صحة عامة” يجب التعامل معها بجدية، وبين من يقرأ فيه “حرب مصالح اقتصادية” تتخذ من الخطاب البيئي والصحي واجهة لتصفية الحسابات التجارية.







