تحت وقع انتقادات حادة وضغط سياسي واضح، اضطرّت القنوات العمومية في الأيام الأخيرة إلى فتح شاشاتها أمام أصوات المعارضة، بعد أسابيع من انغلاق شبه تام وهيمنة الخطاب الحكومي على البرامج الحوارية والنشرات السياسية تزامنا مع احتجاجات “جيل زيد”. الخطوة، التي وصفتها المصادر بـ“الاستدارة المتأخرة”، جاءت لتخفيف وطأة الجدل الذي فجرته اتهامات موجهة للإعلام العمومي بتحوله إلى أداة تواصل انتخابي مبكر لصالح أحزاب الأغلبية.
القناة الثانية كانت أول من حاول كسر هذا الانطباع، حين استضاف برنامج “مباشرة معكم” أول أمس الأربعاء النائبتين نعيمة الفتحاوي عن العدالة والتنمية وفاطمة التامني عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، في نقاش حول مشروع قانون المالية 2026، والعدالة المجالية في توزيع الاستثمار وفرص الشغل.
في السياق نفسه، فتحت قناة “ميدي 1 تيفي” برنامجها السياسي “صدى الأحداث” أمام وجوه معارضة بدورها، مستضيفة في اليوم نفسه البرلماني مصطفى إبراهيمي عن حزب العدالة والتنمية، وقبله بأيام رشيد الحموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية، في نقاشات ظلت حكراً لأسابيع على وزراء ومسؤولي الأغلبية. حتى الإذاعات الوطنية دخلت على الخط، بإفساحها المجال أمام مداخلات ومقابلات لبرلمانيين من صفوف المعارضة.
مصادر مطلعة كشفت لـ“نيشان” أن هذه التحركات لم تكن محض مصادفة، بل جاءت بعد “تعليمات داخلية صارمة” من الإدارة العامة للقطب العمومي، عقب ملاحظات مباشرة من مسؤولي “الهاكا”، نبهت إلى الخلل الفاضح في توازن الحضور السياسي على الشاشات. ووفق المصادر نفسها، فقد صدرت إشارات بضرورة “تلطيف الصورة” ووقف الانتقادات التي صارت تلاحق القنوات العمومية في الصحافة ووسائل التواصل، خصوصاً بعد تقارير اتهمتها بالتحول إلى منصات دعاية حكومية مقنّعة.
المصادر ذاتها اعتبرت، أن الخطوة الأخيرة تعكس ارتباكًا مؤسساتيًا واضحًا داخل الإعلام العمومي، أكثر مما تعبّر عن قناعة حقيقية بضرورة احترام التعددية. فبعدما تجاهلت هذه القنوات المعارضة لاسابيع، تعود اليوم لاستدعائها على عجل، في مشهد يبدو أقرب إلى محاولة لامتصاص الغضب منه إلى تصحيح نهج تحريري. فيما اعتبرت مصادر أخرى أن مجرد استضافة وجوه معارضة يُعد إقرارًا ضمنيًا بوجود خلل هيكلي في تدبير التعددية الإعلامية، وأن “الهاكا” باتت، ولو بشكل متأخر، تمارس ضغوطًا حقيقية لحماية ما تبقّى من مصداقية المشهد السمعي البصري الوطني.
وينص الفصل 165 من الدستور المغربي على أن الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري مكلفة بالسهر على احترام التعبير التعددي لتيارات الرأي والفكر، وضمان الحق في المعلومة، في إطار احترام القيم الحضارية للمملكة وقوانينها. كما يفرض القانون المنظم للقطاع ودفاتر التحملات على القنوات والإذاعات الوطنية تمكين مختلف المكونات السياسية، من أغلبية ومعارضة، من الولوج العادل إلى الفضاء السمعي البصري، مع تخصيص حصص زمنية محددة للأحزاب غير الممثلة في البرلمان.







