سيظل تاريخ 31 اكتوبر2025 محطة حاسمة في وضع حد نهائي لنزاع دام خمسة عقود، راهنت خلاله الجزائر على خلق كيان يفصل بين المغرب وموريتانيا يهدف الى محاصرته وقطع صلته بعمقه الأفريقي .
وبصدور قرار مجلس الأمن رقم 2797 المتبني بشكل لالبس فيه للمقترح المغربي الذي يمنح اقليم الصحراء حكما ذاتيا،اقول انه ستعرف مساعي النيل من الوحدة الترابية للمملكة انتكاسة قد لا تقوم لها قائمة بعدها.
ذلك أن هذا القرار – الذي تباينت قراءاته – قد نقل دور الأمم المتحدة من ادارة النزاع، وتقديم بعض المجاملة هنا وهناك، والحرص على ارضاء الاطراف، دون بلورة ارادة حقيقية في إيجاد سبيل ناجع لحل النزاع، نقل دورها الى مرحلة تنيط فيها الأمم المتحدة لنفسها دور المشرف والمواكب لمسلسل مبتدأه وخبره هو “تيسير وإجراء مفاوضات، استنادا الى مقترح الحكم الذاتي المغربي..” كما نصت على ذلك صراحة الفقرة الثانية من القرار المذكور، مضيفة “..بهدف التوصل الى حل عادل ودائم ومقبول للطرفين للنزاع..”
ثم يكرر مجلس الأمن في قراره في الفقرة الموالية دعوته ” الطرفين الى المشاركة في هذه المناقشات دون شروط مسبقة، على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، بهدف التوصل الى حل سياسي نهائي ومقبول للطرفين..”.
وقد قرر مجلس الامن في الفقرة الأولى من قراره تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) لمدة سنة ،غير أنه ضمن الفقرة ما قبل الأخيرة من ذات القرار تعبيرا يفهم منه أن البعثة قد انتهت الحاجة – استقبالا – الى وجودها، وذلك عندما “طلب من الأمين العام، في غضون ستة أشهر من تجديد هذه الولاية، تقديم مراجعة استراتيجية بشأن ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) المستقبلية، مع مراعاة نتائج المفاوضات”.
ومن الجلي أن المراجعة الاستراتيجية -في غضون ستة اشهر – مع مراعاة نتائج المفاوضات، تهدف الى تحضير وتهييئ البعثة لدورها الجديد الذي قد يكون هو مواكبة المفاوضات والتحضير لاجراءات التنزيل الفعلي لمقترح الحكم الذاتي على أرض الواقع، بما في ذلك الاستفتاء على “اتفاقية” الحكم الذاتي، وهو الاستفتاء الذي سيشكل نوعا من اشكال تقرير المصير الواردة الاشارة اليه بالمقرر الأممي، والذي كانت المبادرة المغربية لمقترح الحكم الذاتي بالصحراء المغربية سباقة الى الاشارة الى أنه ” يكون نظام الحكم الذاتي للجهة موضوع تفاوض، ويطرح على السكان المعنيين بموجب استفتاء حر، ضمن استشارة ديمقراطية” حيث أضاف المقترح المغربي أنه ” يعد هذا الاستفتاء طبقا للشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن، بمثابة ممارسة حرة من لدن هؤلاء السكان لحقهم في تقرير المصير”
من هذه القراءة يمكن فهم المعنى المقصود من الاشارة في هذا القرار لمبدأ تقرير المصير.
ومن يتمعن في دلالات بعض فقرات الخطاب الملكي الذي تم القاؤه بعد أقل من ساعة من صدور القرار، سيقف على مدى ايمان المملكة بأن طريق الحسم باتت معبدة، فجلالة الملك يرى أننا ” اليوم ندخل، والحمد لله، مرحلة الحسم على المستوى الأممي، حيث حدد مجلس الأمن المبادئ والمرتكزات، الكفيلة بإيجاد حل سياسي نهائي لهذا النزاع، في اطار حقوق المغرب المشروعة”، مضيفا جلالته أن المغرب”سيقوم بتحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي، وسيقدمها للأمم المتحدة، لتشكل الأساس الوحيد للتفاوض..” وجلالة الملك يتجاوب بهذه المبادرة لتحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي مع ترحيب مجلس الامن في نهاية الفقرة الثانية من قراره “بأي اقتراحات بناءة من الطرفين استجابة لمقترح الحكم الذاتي”
وتظل الاشارة بالفقرة الخامسة من ديباجة القرار المذكور الى اعراب المجلس عن تقديره لاستعداد الولايات المتحدة الأمريكية لاستضافة المفاوضات تعزيزا لمهمة المبعوث الشخصي في التوصل الى حل للصحراء الغربية والمنطقة، تظل هذه الاشارة ذات دلالة خاصة.
ذلك أن استضافة الولايات المتحدة لهذه المفاوضات، وهي صاحبة القلم في مشروع القرار الأممي، وقد نجحت في اقناع أعضاء مجلس الأمن باحداث تغيير جذري في مقاربة المجلس لهذا النزاع، يجعلها مهيأة لبذل كل جهد من شأنه تذليل الصعاب في وجه الوصول الى حل لهذا النزاع يستند أساسا الى مقترح الحكم التي المغربي.
غير أنه قد يبادر البعض الى القول، وماذا بيد أمريكا وغيرها، اذا رفضت جبهة البوليساريو – مدعومة بحاضنتها الجزائر – أي مشاركة في مفاوضات تستند اساسا الى المقترح المغربي للحكم الذاتي، وهي فعلا قد اصدرت بلاغا بهذا المضمون..؟
الجواب هو أن اختيار عقد المفاوضا على التراب الأمريكي كان يستحضر هذا السيناريو، ويعلم أن لدى امريكا من الوسائل ل”اقناع” جبهة البوليساريو الشيء الكثير، فأمريكا معروفة بانتهاجها دوما لسياسة العصا والجزرة.
فبمقدور امريكا منح الجبهة ومن خلفها حاضنتها الجزائر كل الضمانات والتطمينان بأن الحكم الذاتي سيكون حقيقيا وواقعيا، ومستجيبا للعديد من تطلعات الصحراويين، وقد تقدم للجزائر حوافز استثمارية، والوعد بمساعدتها على الخروج من العزلة التي حشرت نفسها بها.
غير أن عصا تراب توجد قرب جزرته، فالمشروع المقدم من قبل سيناتورين امريكيين بمجلس الشيوخ، والذي يهدف الى تصنيف جبهة البوليساريو تنظيما ارهابيا، وربطها بالمجموعات الارهابية بالساحل والصحراء، هو مشرو ع قابل أن ينفخ فيه في أية لحظة، وحينها لن تسلم الجزائر من تداعيات هذا المشروع، حيث ستصبح راعية للارهاب، وتستضيف على أرضها تنظيما تصنفه أمريكا في خانة التنظيمات الارهابية، وعندها ستكتوي بنار العقوبات الأمريكية، ولا يستبعد أن تجد لها أمريكا “قانون قيصرها”، ومعلوم أن بيت العسكر بالجزائر من “غاز” ولا يحتمل أية شرارة.
ثم هناك عصا امريكية أخرى اكثر إيلاما وانجع مآلا، وهي أن تسعى أمريكا لدى أعضاء مجلس الأمن – وستكون الجزائر قد غادرته – الى اعتبار المنتخبين الصحراويين بالأقاليم الجنوبية هم الاكثر تمثيلا للصحراويين داخل الصحراء ، وحركة خط الشهيد وحركة صحراويين من اجل السلام، المنشقين اصلا عن جبهة البوليساريو، هم الاكثر تمثيلا لصحراويي الشتات، وحينها ستشعر جبهة البوليساريو أنها عادت بخفي حنين.
شخصيا اعتقد أن جبهة البوليساريو، بضغط من عسكر المرادية، ستضطر الى المشاركة في المفاوضا بأمريكا على أساس الحكم الذاتي المغربي، ولن تألو جهدا في المناورة، غير أنها ستخضع للامر الواقع، وارادة المنتظم الدولي، وستقبل في النهاية بمآلات المفاوضات التي لايمكن أن تسفر عن أي نتيجة تمس بمبدأ سيادة المغرب على كامل أراضيه.
محمد سيداتي باحاج، محامي ووكيل عام سابق







