تجديد النخب وبعث الروح في العمل النقابي والسياسي لن يتم إلا بعد فتح باب واسع لمغادرة طوعية تشمل الشيوخ، وأيضًا الكثير من الوجوه المحروقة شعبياً، مع وضع آليات قانونية تحدد طريقة التداول على المسؤوليات، وتحديد سقف لعدد الولايات.
النموذج الصارخ على ذلك، دون أن ننسى الحاج السيمو حاكم القصر الكبير، هو أحمد التويزي، رئيس فريق البام البرلماني، ورئيس جماعة أيت أوروير، الذي نسف ندوة ببلطجة واضحة لمجرد أنها حاولت الاقتراب من علبة تسييره لهذه الجماعة التي يحكم عليها قبضته منذ سنة 1993.
التويزي الذي عاد اليوم لغرف التحقيق للاستماع له في ملف طحن الورق، والتلاعب في فواتير الدقيق المدعم ،كان من المفروض أن يخضع لتقاعد سياسي طوعي بعد أن نال البراءة في الوقت الميت من ملف مرتبط بجرائم الأموال، لكن الفطام صعب، ولهذا تصرف في ندوة حضرها رئيس جمعية حقوقية معروفة، وكأن جماعة آيت اورير ورثها عن والده بما فيها من بشر.
سلوك أرعن ومتهور لم يصدر عن أي من قيادات البام حتى في عز قوته على عهد الهمة أو إلياس العماري.
التويزي، الذي اعتقد أنه صار فوق الجميع ويمكن له أن يفعل ما يشاء ويقول ما يشاء، نال مقعدًا برلمانيًا في سنة 1993 وتنقل بين مجلس النواب والمستشارين وخبر غرف التحقيق لدى الفرقة الوطنية وقاضي التحقيق في ملف مرتبط بجرائم الأموال، الذي أدين فيه قبل أن يحصل على البراءة تزامنًا مع مؤتمر الحزب الذي خرج بثلاثة رؤوس فيما حصل التويزي على منصب رئيس الفريق البرلماني.
الغريب أن التويزي، الذي مارس بلطجيته على الملأ، كان يشغل منصب نائب رئيس المجلس الأعلى للتعليم، كما كان رئيسًا لمجلس جهة مراكش تانسيفت الحوز ما بين 2011 و2015، ولا يزال يحكم قبضته على منصب رئيس جماعة أيت أورير منذ 1992، أي منذ 37 سنة، كما لو كان حكما مؤبدًا يلاحق ساكنة هذه الجماعة المنكوبة.
اليوم يتأكد لنا أن التويزي ومعه بعض الوجوه السياسية والنقابية الأثرية التي عايشت ريغان وغورباتشوف، والتي ظلت جاثمة على صدورنا ومتمسكة كالعلق بالمناصب، تعتبر نفسها إلى الآن غير معنية بالدعوة الملكية التي شددت على ضرورة تجديد النخب.
ذات الوجوه سنعاينها وهي تشرف على كراء “كراجات” ستوظف كمقرات حزبية مع إعادة فتح أخرى ظلت مغلقة لسنوات استعدادًا للانتخابات.
الأمر يتعلق بقيادات حزبية ومسؤولين وبرلمانيين وأمناء عامين يتقمصون اليوم دور التأطير والتعبئة والتواصل كتوطئة لإعلان استعدادهم للترشح لولاية أخرى.
إذا كان هؤلاء ممن تناوبوا على عشرات الحكومات والمناصب، أو جثموا فيها منذ عقود غير معنيين برسالة الملك التي مرت عليها سنوات، فمن المقصود إذن؟
وهل بمثل هذه العينة سنخلق التغيير المنشود والضروري بعد أن صارت المجالس المنتخبة تُورّث، والبرلمان يضم تكتلات عائلية، والمناصب تخضع لإعادة التدوير في بلد تتعامل نخبته السياسية مع الانتخابات كـ”غنيمة”؟
أليس هؤلاء من حولوا الأحزاب والنقابات إلى ملكيات خاصة لا ينقصها سوى التحفيظ العقاري، بعد أن طبخوا المؤتمرات، وجعلوا الوصول للمكاتب السياسية والمناصب والوزارات حكراً على من يدين لهم بالولاء، أو ينخرط في حروب كسر العظام والمؤامرات التي عبدت طريقًا سريعا لتجريف الأحزاب والنقابات، لنحصل في النهاية على هيئات كسيحة وعقيمة تغرق في الريع والانتهازية؟.
لقد كان والي بنك المغرب صريحًا حين أثار أمام الملك أزمة النخب التي تعاني منها البلاد لعقود، في ظل هيمنة نفس الوجوه التي راكمت الفشل والفضائح مستفيدة من إعادة تدوير المناصب، وتوزيعها كريع وهدايا مجاملة، وإسقاط المحاسبة والمساءلة.
والي بنك المغرب قال قبل خمس سنوات للملك بلغة مباشرة إن تحدي تمويل الأوراش قد يُحل، لكن هناك تحدٍ رئيسي يتعين رفعه ويتعلق ببروز “نخبة قادرة على إدارة الأوراش” بعيدًا عن التردد والتسويف.
اليوم بات واضحًا وجود أزمة عميقة تجثم على المشهد السياسي…
أزمة إنكارها لن يزيدها إلا استفحالا أمام الانتظارات المتراكمة للمغاربة، وحالة الإحباط واليأس التي بدأت تتسع، بعد أن تجاوزنا مرحلة الشك والتشكيك، ووصلنا إلى انعدام الثقة، وهي الثقة التي يتباكى عليها معظم السياسيين دون أن يقوموا بأدنى مجهود لاسترجاعها.
وضع كان متوقعًا في ظل انفصال الأحزاب والمثقفين والنقابات عن هموم الشارع، وانعدام جريان النخب، واستمرار نفس الأسماء التي عافها المغاربة في التحكم بمفاصل هيئات كان يُحسب لها ألف حساب، قبل أن تتحول اليوم إلى مجرد “تابع” أو “شركة مناولة”.
وجوه صارت تغرق في امتيازات المناصب، وترفل في الريع السياسي وتدافع عنه بكل شراسة، دون أن تجد حرجًا في ادعاء الترافع عن ضرورة الإصلاح، وتحصين حقوق المغاربة.
وجوه صار مطلوبًا منها وبإلحاح أن تتحلى بالقليل من الحياء، وتركن لتقاعد سياسي، حتى تفسح المجال لمن يحملون هم هذا الوطن فعلاً.







