في تحليل يعكس حالة الارتباك داخل الأوساط السياسية الجزائرية عقب القرار الأممي الأخير بشأن الصحراء، تساءل رئيس حركة مجتمع السلم السابق، عبد الرزاق مقري، عن الأسباب التي جعلت الصين وروسيا تمتنعان عن استخدام حق النقض (الفيتو) ضد القرار الذي تبنى مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كأساس لتسوية النزاع.
واعتبر مقري في تدوينة مطولة نشرها على صفحاته الرسمية، أن موقف موسكو وبكين لم يكن مفاجئًا بقدر ما كان نتيجة منطقية لتحولات في مصالحهما الاستراتيجية، مبرزًا أن قضية الصحراء “لا تزن شيئًا” في حساباتهما الكبرى، وأن الجزائر تبالغ في تصور وجود تحالف استراتيجي فعلي مع هذين البلدين.
وأوضح السياسي الجزائري أن روسيا والصين لا تعتبران نزاع الصحراء قضية مبدئية أو مصيرية، لأن كلاً منهما تواجه ملفات داخلية وإقليمية مشابهة، مثل تايوان والإيغور بالنسبة لبكين، والقرم ودونباس بالنسبة لموسكو، ما يجعل من غير المنطقي أن توظفا الفيتو في قضية لا تمس مصالحهما المباشرة. وأضاف أن موسكو في وضع تواصلي مع الإدارة الأمريكية، وتحقق مكاسب تدريجية، فيما تسعى الصين إلى تجنّب أي تصعيد مع واشنطن حفاظًا على مصالحها التجارية والتكنولوجية.
وفي قراءة أكثر عمقًا، لفت مقري إلى “البرود المتزايد” في العلاقات بين الجزائر وروسيا، مذكّرًا بعدم دعم موسكو لانضمام الجزائر إلى مجموعة “بريكس”، وبالتصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف واعتبرها مراقبون “مسيئة للجزائر”، حين قال إن توسع المجموعة خضع لمعايير تتعلق بـ“وزن وهيبة الدول ومساهمتها في بناء عالم متعدد الأقطاب”. وأضاف أن الأزمة تفاقمت بعد التحولات الجذرية التي شهدتها منطقة الساحل، إذ وجدت الجزائر نفسها، بحسب تعبيره، “أقرب إلى المعسكر الغربي”، في وقت عزز فيه المغرب حضوره الإقليمي في مالي ودول الجوار، وهو ما أضعف موقع الجزائر لدى موسكو.
كما ربط مقري بين الحادثة التي وُجه فيها لافروف برد قاسٍ على صحفية جزائرية خلال مؤتمر صحفي، وبين توقيت انعقاد مجلس الأمن، متسائلًا إن كانت تلك الواقعة مجرد صدفة، أم أنها مؤشر على تدهور في المزاج الروسي تجاه الجزائر قبل التصويت على القرار الأممي المتعلق بالصحراء.
أما عن الصين، فقد اعتبر السياسي الجزائري أن موقفها “اقتصادي صرف”، إذ تميل إلى الشراكات الاستراتيجية والمشاريع الصناعية والتكنولوجية، وهي المجالات التي يتفوق فيها المغرب بوضوح. وأشار إلى أن “الجزائر أقل جذبًا من المغرب في أعين المستثمرين الصينيين”، ناقلًا عن دبلوماسي صيني قوله خلال لقاء رسمي بالجزائر إن البلاد “ما زالت بيئة طاردة للأعمال”.
وانتهى مقري إلى أن بكين وموسكو لن تخاطرا بعلاقاتهما مع الرباط من أجل إرضاء الجزائر، لا سيما أن المغرب، كما قال، “صديق لهما أيضًا”، مضيفًا أن “امتلاك الجزائر للسلاح الروسي لا يعني بالضرورة وجود تحالف استراتيجي، لأن الدولة التي لا تصنع سلاحها تبقى تابعة لا حليفة”.
تدوينة مقري، التي تداولها الإعلام الجزائري والمغاربي على نطاق واسع، تكشف بوضوح عن حالة إحباط داخل النخبة السياسية الجزائرية بعد أن وجدت نفسها معزولة في مجلس الأمن أمام إجماع دولي متنامٍ لصالح المقترح المغربي للحكم الذاتي، في وقت بدا فيه ما تعتبره الجزائر “تحالفاتها الكبرى” عاجزًا حتى عن رفع ورقة الفيتو الرمزية.







