في الوقت الذي حاول فيه كاتب الدولة المكلف بالإسكان، أديب بن براهيم، خلال جلسة مجلس المستشارين الأخيرة، رسم صورة وردية عن “المنجزات الكبرى” لبرنامج مدن بدون صفيح، بدت تصريحاته، وفق مصادر مطلعة، أقرب إلى خطاب دعائي متهافت منه إلى تشخيص واقعي لورش مأزوم منذ عقدين. فبين الأرقام التي تتغنى بها الحكومة على الورق، والواقع المرهق في الأحياء الهامشية وضواحي المدن، تتسع الهوة يوماً بعد آخر بين الخطاب الرسمي وحياة مواطنين ما زالوا يبحثون عن سقف يقيهم قسوة العراء وذل الانتظار.
إعلان بن براهيم عن “تحسين ظروف عيش أزيد من 372 ألف أسرة” بدا، بحسب المصادر، إعادة تدوير لأرقام قديمة أكثر منه كشفاً عن حصيلة جديدة. فالمسؤول الحكومي لجأ مجدداً إلى لغة الأرقام المطمئنة دون أن يوضح طبيعة هذه “التحسينات”. أهي إسكان فعلي أم مجرد ترحيل مؤقت نحو أحياء تفتقر لأبسط مقومات العيش الكريم، وهل يمكن اعتبار الأسر التي نُقلت إلى أطراف المدن – حيث لا نقل ولا مدارس ولا مراكز صحية ولا أسواق – قد “تحسّنت ظروفها” فعلاً؟.
الأدهى، وفق المصادر نفسها، أن كاتب الدولة تحدث من برج إداري معزول عن نبض الشارع، متغافلاً إخفاقات السياسات السابقة التي اصطدمت بالمشاكل ذاتها، وفي مقدمتها ضعف انخراط الأسر، هشاشة التجهيزات، وغياب العدالة المجالية في توزيع العقار. ورغم إقراره الضمني ببعض هذه الأعطاب، فقد قدّمها في شكل تبريرات تقنية أكثر من كونها اعترافاً سياسياً بالفشل البنيوي للمقاربة الرسمية، التي ما تزال أسيرة منطق “الهدم والترحيل” بدل تبنّي رؤية لإعادة إدماج عمراني وإنساني حقيقي.
وما يعمّق مفارقة الخطاب الحكومي، أن وزيرة إعداد التراب الوطني والإسكان، فاطمة الزهراء المنصوري، سبق أن اعترفت بفشل دعم السكن في العالم القروي، فيما خرج كاتب الدولة ليتحدث عن نجاح “مدن بدون صفيح”، وكأنّ الوزارتين تتحدثان بلغتين متناقضتين. فكيف يُبشّر أحدهما بالنجاح، بينما لم يلمس المواطنون في الدار البيضاء أو سلا أو تمارة أي تغيّر في ملامح أحيائهم التي عادت إليها مظاهر البؤس بعد أن أُعلنت “بدون صفيح” على الورق منذ سنوات، تتساءل المصادر.
ويرى متتبعون أن الأزمة أعمق من مجرد قصور في البرامج، إذ تكمن في انعدام التنسيق الحكومي وتضارب السياسات نفسها. فبين برنامج “الدعم المباشر للسكن” المتعثر بفعل “النوّار” وغياب الشقق المشمولة بالدعم، وبرنامج “مدن بدون صفيح” الذي التهم ميزانية تفوق 63 مليار درهم، لم يجنِ المواطن سوى ارتفاع الأسعار وتآكل الثقة في الوعود الرسمية.
فاعلون في القطاع لم يترددوا في وصف تصريحات بن براهيم بأنها “تسويق سياسي” لوزارة غارقة في التناقضات. فالبرنامج الذي قُدِّم كمنعطف تاريخي لمحاربة السكن غير اللائق، تحوّل عملياً إلى ورطة بيروقراطية؛ تعثّر فيها المواطنون في المنصات الرقمية، واصطدم المنعشون والبنوك معاً بفوضى الإجراءات وتعقّد المساطر.
وتؤكد مصادرنا على أن ما جرى تقديمه هو حصيلة كمية بلا مضمون نوعي. فعدد الأسر المستفيدة لا يعكس جودة السكن ولا استدامة الحل، ولا يعني أن الظاهرة في طريقها إلى الزوال. إذ تُنفّذ العديد من المشاريع بعيداً عن معايير التعمير المتوازن، وخارج أي تصور شامل للعدالة المجالية التي طالما دعا إليها الملك في خطبه.
وتخلص المصادر إلى أن كلام بن براهيم أمام البرلمان لم يكن سوى محاولة لتجميل واقع مأزوم، والتغطية على إخفاقات متراكمة في قطاع فقد بوصلته. فحتى المشاريع التي وصفها بـ“النموذجية” في تمارة، كشفت تقارير ميدانية عن استمرار مئات الأسر في مساكن مؤقتة أو اضطرارها لبيع استفادتها بسبب غياب فرص الشغل والخدمات.







