مازالت مدينة الفنيدق، عند تخوم سبتة المحتلة، ترزح تحت وطأة ركود اقتصادي طويل بعد مرور خمس سنوات على إغلاق المعبر الحدودي الذي كان شريانها الحيوي ومصدر رزق آلاف الأسر. فمنذ أن توقفت حركة “التهريب المعيشي” بشكل نهائي مطلع سنة 2020، تبدلت ملامح المدينة التي كانت تضج بالحركة والنشاط التجاري إلى فضاء ساكن تتناوب عليه البطالة والهجرة والإحباط.
الإغلاق الذي بررته السلطات حينها باعتبارات أمنية وصحية، سرعان ما تحول إلى واقع دائم غيّر وجه المنطقة بأكملها. فالمحلات التي كانت تعج بالبضائع والمقاهي التي لم تعرف الهدوء أضحت اليوم شاهدة على تراجع غير مسبوق في الرواج التجاري. ورغم المجهودات التي بُذلت لإرساء بدائل اقتصادية جديدة، لم تفلح المشاريع التي تم الإعلان عنها في استعادة نبض الحياة الذي كان يميز الفنيدق لعقود.
فقد أُحدثت منطقة للأنشطة الاقتصادية بضواحي المدينة على مساحة عشرة هكتارات بكلفة ناهزت 200 مليون درهم، إلى جانب مشروع ثانٍ قيد الإنجاز بين تطوان ومرتيل. غير أن هذه الأوراش لم تثمر بعد النتائج المأمولة، إذ لم تنجح في خلق فرص شغل كافية ولا في تعويض الحركة التجارية التي كانت تضفي على المدينة طابعها الخاص. ومع مرور الوقت، اتسعت الهوة بين الوعود المعلنة والواقع المعيشي الصعب الذي يواجهه السكان.
وفي ظل استمرار مظاهر الجمود الاقتصادي والاجتماعي، تتعالى الأصوات من جديد مطالبة بإجراءات أكثر جرأة وواقعية لإعادة الحياة إلى المدينة. فخمس سنوات من الانتظار والرهانات المؤجلة كانت كافية لتكشف محدودية المقاربة المعتمدة، التي ركزت على مشاريع جزئية دون أن تُحدث التحول البنيوي المطلوب.
وسط هذا السياق، عاد الملف إلى قبة البرلمان من خلال سؤال وجهه النائب عبد السلام الحسناوي عن فريق التجمع الوطني للأحرار إلى وزير الداخلية “عبدالوافي لفتيت”، دعا فيه إلى التعجيل بإرساء منطقة اقتصادية جديدة بكل من الفنيدق والقصر الصغير، لإنعاش الدورة التجارية واستعادة المدينة لعافيتها. الحسناوي شدد على أن “الساكنة مازالت تعاني من ركود غير مسبوق وارتفاع البطالة رغم المؤهلات الجغرافية والساحلية الهامة التي تزخر بها المنطقة”.
وتتقاطع هذه الدعوة البرلمانية مع تحذيرات سياسية أطلقتها أحزاب وهيئات محلية قبل أشهر. ففي منتصف يوليوز الماضي، أصدرت فروع خمسة أحزاب بمدينة الفنيدق — هي الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والحزب الاشتراكي الموحد والعدالة والتنمية وجبهة القوى الديمقراطية — بياناً مشتركاً وصفت فيه الوضع بالمدينة بـ“المنعطف الخطير”، محذّرة من تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية و”الشلل المؤسساتي” الذي أصاب الجماعة الترابية. ودعت تلك التنظيمات السلطات والمنتخبين إلى تحمل مسؤولياتهم لإنقاذ المدينة من “الحصار الاقتصادي والركود الخطير”، وتنزيل رؤية تنموية حقيقية بدل الاكتفاء بمبادرات ظرفية محدودة الأثر.
وتأمل المصادر أن يشكل هذا الحراك الجديد، سواء داخل البرلمان أو عبر المبادرات المحلية، بداية لمرحلة تعيد الثقة والأمل لساكنة الفنيدق، وتمنح المدينة فرصة ثانية للخروج من عزلتها واستعادة مكانتها كواحدة من أبرز الواجهات التجارية والسياحية في شمال المملكة.







