بينما لا يفوّت وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة “سعد برادة” أي مناسبة لتقديم مشروع «المدرسة الرائدة» كعنوان لإصلاح التعليم العمومي، تتساقط الأقنعة واحداً تلو الآخر على أرض الواقع. الصورة هذه المرة من تازة، حيث يبدو أن «الريادة» التي بشّر بها الوزير القادم من عالم الشوكولاتة لم تتجاوز بعد مستوى الشعارات اللامعة، فيما تعيش المؤسسات التعليمية على واقع الفوضى والارتجال وسوء التدبير، وفقاً لمصادر مهنية.
وتؤكد المصادر ذاتها أنه، وفي مدارس يفترض أنها «نموذجية»، ما تزال حجرات البناء المفكك تحتضن التلاميذ، والكراسات الخاصة ببعض المواد منعدمة تماماً، والحواسيب الممنوحة للأساتذة متقادمة إلى درجة وصفها بعضهم بـ«الخردة»، في حين أُقصي أساتذة المواد العلمية من أدوات العمل الرقمية التي وعدتهم بها الوزارة.
وتشير المصادر إلى أن المشروع، الذي قُدّم بوصفه نقلة نوعية، صار اليوم مرادفاً للتجريب الفوضوي، وتأجيل المنح، وتعثر التكوينات، وتراكم الأعطاب التقنية التي تجعل المنصة الرقمية مجرّد واجهة مشلولة.
ما يجري في تازة ليس حالة معزولة. قبل أسابيع فقط، فجّر سؤال برلماني للنائبة نادية تهامي عن حزب التقدم والاشتراكية معطيات صادمة حول تعثر تزويد مئات مدارس الريادة بالمعدات البيداغوجية عبر ربوع المملكة، ما أدى إلى هدر فادح للزمن المدرسي قد يصل إلى ثلاثة أشهر — أي دورة دراسية كاملة — في مشروع يُفترض أنه يُصلح ما أفسدته سنوات من الارتجال. السؤال البرلماني نفسه لمح إلى شبهات في تدبير الصفقات العمومية التي تمت «على المقاس» تحت غطاء ترخيص استثنائي وقّعه رئيس الحكومة.
من جانبها، رفعت الجامعة الوطنية لموظفي التعليم بتازة من لهجتها، متهمة المديرية الإقليمية بـ«العبث» و«منطق سلّك» في تنزيل المشروع. وسجلت غياب التنسيق بين المصالح، ورداءة الأشغال التي لا تعكس حجم الميزانيات المعلنة، وتدهور جودة الخدمات المقدمة للأطر التعليمية خلال الدورات التكوينية. النقابة تحدثت كذلك عن «تأخر صرف المنح» و«إقصاء فئات كاملة من الأساتذة والإداريين من الدعم المالي»، معتبرة أن المشروع صار عبئاً على الشغيلة بدل أن يكون رافعة للإصلاح.
ولم تتردد الهيئة النقابية التابعة للاتحاد الوطني للشغل في انتقاد ما وصفته بـ«استعمال ميزانية مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتعليم في تجهيز مؤسسات الريادة»، معتبرة ذلك التفافاً على الالتزامات الحكومية وتملصاً من المسؤولية في تمويل الإصلاح. كما نددت باضطرار الأساتذة إلى استخدام اشتراكاتهم الشخصية في الإنترنت بسبب غياب الربط داخل المؤسسات، في مشهد يلخص الفجوة بين الخطاب الوزاري والواقع الصادم.
هكذا، أضحى مشروع «المدرسة الرائدة» الذي كان يُفترض أن يكون واجهة التحول التربوي، يترنح اليوم بين البهرجة الإعلامية والارتباك الميداني. وبينما يواصل الوزير تكرار خطابه حول «التحول النوعي»، تؤكد المصادر المهنية أن الريادة، في تازة وغيرها، أصبحت عنواناً جديداً لرداءة مغلفة بشعارات براقة.







