جميع من تابع الأجوبة “المُفككة” التي واجه بها الوزير برادة أسئلة البرلمانيين في اجتماع لجنة التعليم، سيخرج بقناعة أن الرجل أخطأ العنوان، ودخل الوزارة الغلط. وكأن هناك من أراد له أن يحصل على تقاعد سياسي مبكر مع شهادة فشل باستحقاق.
الرجل بدا مشتت الأفكار، وعاجزًا عن فهم أو تقديم أي جديد، مستسلماً لهمسات الكاتب العام بتقنية المفتش كونان.
برادة فعلا “جا حافظ… لكن مافاهمش…”، لهذا اختصر مشاكل التعليم العمومي في طرق باب المعلم من طرف المدير قبل دخول المفتش.
والواقع الذي قفز عليه برادة هو أن من خرج بالتعليم في الحيط هم “مسامير الميدة”..
نقصد بذلك المتحكمين الفعليين بالوزارة، والذين أوصلوا المدرسة العمومية للقاع، وحطموا ثقة المغاربة فيها بفعل مخططات نعلم جميعًا مصيرها، لذا بقوا في مناصبهم مكافأة لهم على ذلك، وعلى رأسهم الكاتب العام للوزارة بالنيابة والمفتش العام الذي لا نتوقع منه أن يفتش في المصائب الكثيرة التي وقعت في صفقات المدرسة الرائدة على عهد برادة بعد أن صار أقدم مسؤول بالوزارة.
برادة منح لاقوضاض مُهمة جديدة لم تُسند لا للقاسمي ولا السحيمي بعد أن جعله مُلقن مسرح يقدم له نص الحوار حين تضيع منه الكلمات، والسبب صار معلوماً لجميع.
برادة جعل من نفسه اضحوكة أمام عشرات الآلاف من نساء ورجال التعليم الذي يتفرجون اليوم بكثير من “الفقصة” وقليل من التشفي في وزير لا يستطيع تركيب جملة سلمية لغويًا ويستعين بكلمات منقرضة من قبيل “بلعة”.
وزير “أزرق” بالمعنى السياسي والحرفي للكلمة مادامت المهمة الوحيدة التي نجح فيها هي تحريف مسار عدد من صفقات المدرسة الرائدة واحتجاز عدد من تعويضات ودرجات رجال ونساء التعليم، وزرع أزمات جديدة بالقطاع عبر فتحة جبهة مع المتصرفين التربويين والمفتشين، وقبل ذلك مع الأساتذة.
اليوم من حقنا أن نشكك في كون التعليم ثاني أولوية وطنية بعد الوحدة الترابية، مادامت مفاتيح التعليم قد سُلِمت لرجل ليس بينه وبين التعليم لا خير ولا إحسان..
رجل كل رصيده هو انتماؤه لنادي رجال الأعمال ولحزب أخنوش الذي سعى بكل قوته لانتزاع حقيبة التعليم والصحة بعد التعديل الحكومي، لكنه وضعهما في يد “هواة” أخرجوا احتجاجات لشوارع عشرات المدن بشعار الصحة والتعليم.
برادة اليوم وباختصار مشغول بإبرام أكبر قدر من صفقات المدرسة الرائدة قبل رحيله من الوزارة، لذا لن يجد حرجًا في إضاعة وقت المعلمين والمغاربة، وحق أبنائهم في تعليم عمومي جيد.
برادة الذي سبق وأن أطلق في وجهنا أكثر من “سلوقية” حول استجدائه من طرف فرنسا وبريطانيا وكندا من أجل الاستفادة من تجربة المدرسة الرائدة، يتعامى عن حقيقة أنه ورغم المليارات التي صرفت على قطاع التعليم، فقد سبق للبنك الدولي أن شبهنا بمن يصب الماء في الرمل.
حقيقة صادمة تثبت أن الدولة لا زالت محكومة بهواجس قديمة في تعاملها مع وصفات “الإصلاح” التي طالت القطاع، والتي انتهت به إلى دوامة ومتاهة لا يُراد له أن يخرج منها، لتدفع أجيال بكاملها الثمن.
البنك الدولي قال إنه لا حل لنا للخروج من وضعنا الحالي سوى بتعزيز رأس المال البشري، وشدد على أن نتائج التعليم هي أفضل المؤشرات للتنبؤ بالنمو المستدام في البلد، وأفضل وسيلة للحد من انتقال الفقر من جيل إلى جيل.
ليس هذا فقط… البنك قال إن الدولة تتهرب من الإصلاح الحقيقي للتعليم الذي لا ينبغي اختزاله في الميزانيات فقط.
بعد كل هذا نعاين السي برادة وهو يستهلك المزيد من المال والوقت في تصريحات الهدف منها هو خلط الأوراق عوض أن يقوم بتطهير الوزارة ممن أحدثوا أكثر من ثقب في سفينة التعليم.
المجلس الاقتصادي والاجتماعي أكد بدوره أن مشاريع إصلاح التعليم قفزت على عدد من الأعطاب الأساسية، وغرقت في “الإيديولوجيا والحسابات السياسية”.
حسابات فرضت في نهاية المطاف عودة الملايين من أبناء المغاربة إلى حظيرة الفرنكفونية ضدا على المنطق الذي اعتمدته جميع دول العالم بما فيها فرنسا، والذي يقول إن المستقبل للغة الإنجليزية.
المجلس خرج بدوره بمعطيات صادمة حول نزيف الهدر المدرسي الذي يجعل حوالي نصف مليون تلميذ وتلميذة يودعون فصولهم كل سنة.
لا بأس أن نذكر برادة بأن ذات المجلس وجه دعوة صريحة للدولة من أجل جعل إصلاح المدرسة أولوية وطينة بعد قضية الوحدة الترابية، وجعلها فرصة للارتقاء الاجتماعي لجميع المغاربة دون تمييز، وقال إن أي توجه غير ذلك سيزيد في إنتاج المزيد من الفوارق ومظاهر الإقصاء.
دعوة تؤكد أننا عوض أن نصلح التعليم، ونستثمر بجدية في “البشر”، زدنا في تعميق أزمته لينتج في النهاية مدرسة أريد لها أن تبقى معطوبة وبدون ملامح.
هذا رغم آلاف المليارات التي بددت في صفقات فاسدة، لا زال المغاربة ينتظرون كشف المتورطين فيها.
السي برادة: “براكا من الشفوي… و لي بغا يخدم ينوض يتحزم راه العطب باين….”
الوزير برادة .. و”المُفتش كونان”







