في الوقت الذي أعلن فيه المغرب أكتوبر المنصرم عن اعتماد المعادلة التلقائية لعدد من الشواهد الجامعية الأجنبية مع 18 دولة، بما في ذلك تخصصات الطب والصيدلة وطب الأسنان، مازال عشرات خريجي الجامعات السنغالية يعيشون حالة انتظار طويلة ومرهقة بسبب تأخر البت في ملفات معادلة شواهدهم لأكثر من سنة ونصف، مما جعل مستقبلهم الأكاديمي والمهني معلقا بين بيروقراطية المساطر وغياب أجوبة واضحة من الجهات الوصية.
وجاء هذا الجدل من جديد عبر سؤال كتابي وجهته النائبة البرلمانية سميرة حجازي، عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار “عزالدين الميداوي”، لفتت فيه الانتباه إلى وضعية خريجي ثلاث جامعات سنغالية على الأقل، وهي جامعة غاستون بييرجي بسان لوي، وجامعة إيدا دير ثيام بتييس، وجامعة أسان سيك بزيدينشور، والذين تابعوا مسارهم الجامعي في إطار اتفاقيات الشراكة والتبادل الأكاديمي بين المغرب والسنغال على أساس معيار التفوق العلمي. غير أن هؤلاء الخريجين وجدوا أنفسهم بعد التخرج أمام باب إداري موصد لا يسمح لهم بمواصلة التخصص أو الترشح لمباريات داخل المغرب رغم حاجتهم الملحّة إلى إدماج سريع وواضح في المنظومة الصحية.
ويأتي هذا التأخر في سياق مفارقة لافتة؛ ففي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة عزمها تسهيل اندماج الكفاءات المغربية بالخارج وتشجيعهم على العودة وممارسة مهنتهم داخل البلاد، كما ورد في قرار حديث حول الاعتراف بالشهادات الأجنبية من 18 دولة، تبرز حالات ميدانية تناقض هذا التوجه وتعيد إلى الواجهة مشكلة البيروقراطية والتأخر المبالغ فيه في معالجة الملفات، خصوصا عندما تمتدّ لفترات تتجاوز السنة والنصف دون مبررات معلنة أو مقنعة.
وتتقاطَع وضعية الخريجين السنغاليين مع شهادات سابقة أوردها خريجون من بلدان أخرى، تحدثوا فيها عن مساطر مرهقة تتطلب أحيانا تجميع ما يقارب مائة وثيقة وترجمتها بتكلفة مالية مرهقة قد تصل إلى 450 درهما للوثيقة الواحدة، مما يجعل استكمال مسارهم المهني رحلة تستنزف الجهد والمال والوقت، وتدفع البعض للتفكير في الهجرة نحو دول بديلة بدل العودة إلى أرض الوطن. وضعٌ اعتبره مهتمون نزيفا هادئا مستمرا يفرّط في طاقات مغربية كفيلة بسد الخصاص الكبير داخل مستشفيات المملكة.
ويطرح هذا الملف أسئلة محرجة حول مدى انسجام القرارات الحكومية التحديثية مع الواقع الإداري العملي، ومدى جاهزية المصالح المختصة للتعامل السريع والمسؤول مع ملفات ذات حساسية تتعلق بقطاع يعترف الجميع بأنه في أمسّ الحاجة إلى أطباء متخصصين، لا سيما في المناطق البعيدة والمراكز الاستشفائية الجامعية التي تعاني خصاصا هيكليا مزمنًا.







