ما الجدوى من برلمان يصوت بالأغلبية لتغييب صوت المجتمع في محاربة الاغتناء غير المشروع؟، وما الجدوى من السياسة حين يصبح تضارب المصالح مستباحا، وحين يصبح الموقع السياسي مفتاحا لاقتحام سوق الصفقات العمومية؟ وما الجدوى من أحزاب تسكت عن اعطاب ممارسة السياسة في داخلها، ومن خلالها، ومن خلال ممثليها في المؤسسات المنتخبة؟ وبعد كل ما يحيق بنا من أهوال الممارسة السياسية، ينتظر البعض أن تتعزز ثقة المواطن في ممارسات طبقة سياسية ترقص على إيقاع البحث عن المنافع الدنيوية من أموال وعقارات، وتقول آمين في جلسات الدعاء لبلادنا بالخير والبركات وتحقيق العدل والمساواة للمواطنين. الأمر يتطلب قرارات، نعم قرارات صادمة لكل من يخدعنا، ويقول آمين حتى يظل في المنصب . إذا أصبح تضارب المصالح قاعدة مقبولة لدى أحزاب حكومتنا، فعلى بلادنا السلام.
لم أكن لأصدق أن أحد المنتمين، افتراضيا، والسابقين إلى التيار السياسي، للراحل أحمد بن جلون، سيلعب دور المدافع عن اضعاف دور المجتمع المدني لمناهضة ظاهرة الاغتناء غير المشروع في بلادنا. أكاد أجزم أنه تملك كل الأدوات، وكان ” مناضلا” لبضع سنوات، لم يعرفها أحد، ونجح في تسجيل حضور يعاكس رغبة في وصول بلادنا إلى مرحلة العبور إلى دولة الحق والقانون في مجال المحاسبة في ارتباطها بالمسؤولية. سبقه الكثيرون بسنين لولوج دراسة القانون والعلوم السياسية، ولكن أغلبهم شعر أن دخول بعض أشباه اليساريين إلى ورش إعادة تشكيل وعي بأهمية العمل السياسي، كان فيها خطر كبير على الشفافية، وعلى فتح الأبواب أمام مؤسسات بلادنا لتفعيل مبدأ دستوري يربط المسؤولية بالمحاسبة. وهكذا أصبح اليساري سابقا أكبر معاد للقيم التي كان ينادي بها في عهد سابق.
أعطاه الراحل أحمد بن جلون تلك الوسائل التي ادخلته إلى محراب المحاكم. وقف، ظنا، أنه يبحث عن انجع الوسائل لكي تتوافق مع قيم اليسار. فكان أن وجدناه مدافعا عن أساليب تنحر قافلة التحرير، وتقول أن السياسة ميدان لمن اجتهد لكي يراكم الثروات، والعقارات، ويسيطر على المجالس الترابية، الإقليمية والجهوية. دخل كما دخل بعض الرفاق القدامى إلى ليل طويل. وسيظلون في سجل المختفين عن الوفاء لأقل المبادئ حضورا، في ما كان، يوجد ضمن مرجعياتهم المفترضة.
قال وزير العدل ، الذي لا يحمل ،لحسن ظن المواطنين، الاختام؛ أن محاربة الاغتناء غير المشروع، مستحيل. قال أن أية شكاية بموظف، ستجر مئات من الموظفين للمحاسبة من طرف الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بسبب وشاية أو شكاية . يقول كل هذه ” المسلمات “، ولا يشير بصدق إلى توصيف من راكموا الثروات دون استثمارات، أو خلق ثروات تساهم في تنمية البلاد. كم تمنيت أن تستمرمواجة وزير العدل في مجال تقنيات وأساليب المحاسبة التي ترتبط بتحمل المسؤولية. نسي السيد الوزير أن جزءا كبيرا من مقرات المجلس الأعلى للحسابات ممتلئة عن آخرها بملفات تضم تصاريح بالممتلكات. ولعله لا يعلم أن أغلب الموظفين لا يحملون صفة ” الأمر بالصرف” ولا ” باعطاء التصاريح المختلفة” المتعلقة بكافة أنواع الصفقات . وكنا نطمح أن يفتح النقاش حول خارطة المخاطر المرتبطة بالرشوة وبتضارب المصالح، وبخلط السياسة بالتجارة. ولعل السؤال السياسي الجوهري الذي تجاهلته الأغلبية الحكومية هو ” من أين لك هذا؟ ” . ويحز في النفس أن تنساق بعض مكونات الأغلبية إلى صف المتغاضين عن واقع الفساد. سيكون لهم موعد مع التاريخ حين سيقول لهم بلدهم ” لماذا سرتم وراء “وزير العدل ” غير مبالين بتاريخ حزبكم.
سمعت عن مسارات قلة من المحامين الذين استفادوا من شبكات مربحة خلال سنوات قليلة من ممارستهم لمهنة المحاماة. أكد لي، قبل عقود، بعض كبار مديري بعض مؤسسات تدبير الشأن العام، أن ” محاميي مؤسساتهم، كانوا من كبار الأميين الذين كانوا ممن لا يتقنون كتابة مذكرة موجهة للمؤسسات القضائية. وسيظل السؤال الكبير هو كيفية تدبير ” سوق ” تمكين بعض مكاتب المحاماة ” من صفقات كبيرة. والأمر يهم أيضا كثيرا من مكاتب التوثيق، وعلاقتها بمراكز القرار. وسيظل بعض المحامين والموثقين ينتظرون يوما تظهر فيه شمس الشفافية، وهي تسيطر على أسواق تتيحها دولة الحق والقانون.
سأظل يائسا من موقف وزير العدل، المناضل المفترض سابقا، وهو يحارب جمعيات الدفاع عن المال العام. سأظل موقنا بأن دولتنا تحتاج إلى جمعيات تناضل من أجل فضل فضح الفساد. أراد، المحامي. والوزير، أن يتم إقفال كل الأبواب التي تمكن من فضح الفاسدين. أريد من وزير العدل، المناضل سابقا، أن يعمل على قمع كل من يسيء إلى من يناضل بصدق للدفاع عن القانون. ولا يمكن لكل مواطن أن يتخلى عن فضح الفاسدين. وأقول لك، كمواطن يخاف على مستقبل وطنه، يا ” عبد اللطيف وهبي” أن الفساد كبر حجمه. لا أريد أحد منك أن تضر بمصالح أصحاب الضمير الحي. أريدك أن تقول رأيك في كل فاعل سياسي كان فقيرا، وأصبح، بفعل تواجد سياسي، غنيا وذو أملاك لا تعد ولا تحصى. وهل من الواجب أن نطرح سؤال موجبات المساءلة، أو نغرق في وحل التصديق بأن الأرزاق لا يسأل عنها مهما كان حجمها، وعلاقتها بمن يحمل وزر المسؤولية.
أرجوك ذ عبد اللطيف وهبي أن تهيب بكل المؤسسات العمومية ،بمن فيها مؤسسات الضرائب، والتسجيل العقاري، وتسجيل السيارات، وتلك المهتمة بعمليات مكتب الصرف أن تسجل كل العمليات وتقدمها إلى الدولة. نريد أن نتوجه إلى المواطنين حفاة، عراة. وعلى هذه المؤسسات أن تفضحنا جميعا. يحاول وزير في حكومة أن يقحم السلطة القضائية في التحكيم، ولكن المواطن يسعى لحسم الأمر بين المستفيدين وغير المستفيدين. لقد أصبح الانتهازيون أكثرنا قدرة على تجاهل ضرورة حماية الوطن.
تجمع باحثون ودكاترة، وأصحاب رأي في تاريخ الوطن لكي يقولوا حقا في زميل رحل. كانت غزيرة تلك الشهادات التي قيلت في حق الأستاذ الباحث، في التراث الإسباني سي محمد الصالحي. لم يكن هذا الأستاذ، باحثا، كغيره من الباحثين عن ” الحقيقة النسبية” عن فرصة سياسية، وقد كان من روافد حركة كبر في اليسار، ولكنه ظل يبحث عن الجمال. وظل البعض يبحث عن المال والجاه. وظل يفتقر إلى لحظة لقاء مع الذات. قلت مع بعضنا، رفيقنا ، ها أنت تسبح في الثراء. أما بعد ، فحاول أن ترتاح…سيقف شباب هذا الوطن وكهوله، وشيبه شوكة في حلق من يريد أن يوقف مسار وطن لولوج باب التنمية الصاعدة. قد تتشكل الأغلبيات بحساب المقاعد، ولكن الأغلبية الحقيقية هي التي تحملها الطبقات الشعبية التي تضرها سياسات تلك الأغلبيات التي تصنعها ظروف وملابسات وممارسات تسيء للوطن.
محاربة الاغتناء غير المشروع تخيف الحكومة







