مازالت تداعيات الهيكلة الجديدة لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية تتفاعل داخل واحدة من أبرز مؤسساتها العلمية، بعدما وجد المعهد الوطني للصحة نفسه خارج التنظيم الإداري المقترح، في خطوة فجّرت موجة قلق غير مسبوقة داخل صفوف أطره وموظفيه. هذا الإقصاء، الذي جاء بعد نحو ثلاثة عقود من آخر مراجعة سنة 1994، أثار مخاوف من “طمس” مؤسسة تُعدّ ركيزة أساسية في منظومة الأمن الصحي بالمغرب، خصوصاً بالنظر إلى الدور الحيوي الذي لعبه المعهد خلال أزمة “كوفيد-19”.
داخل المعهد، تتقدم مشاعر الصدمة على أي قراءة تقنية للهيكلة. فالمؤسسة التي احتضنت مختبرات مرجعية معترف بها دولياً، وتصدرت جهود التشخيص والرصد الوبائي خلال الجائحة، وجدت نفسها اليوم خارج هندسة إدارية توسعت في عدد المديريات والأقسام الجديدة بدل ترشيدها. وتفيد شهادات من داخل المؤسسة بأن “التناقض الصارخ بين الدعوة إلى نجاعة الإدارة من جهة، واستحداث هياكل إضافية من جهة أخرى، يضع أكثر من علامة استفهام حول خلفيات إبعاد المعهد”.
وتشير مصادر مهنية إلى أن المفارقة لا تتوقف عند عدم إدراج المعهد، بل تتعداها إلى الحديث عن إحداث قسم جديد للمختبرات داخل إحدى المديريات، في خطوة وصفتها الأطر بـ“محاولة لفصل المعهد عن وظيفته التاريخية في مراقبة المختبرات العمومية”. هذه المختبرات، التي يتجاوز عددها 150 موزعة على المستشفيات الإقليمية والجهوية ومستشفيات القرب، تشكل شبكة حيوية يستفيد منها أساساً المرضى غير القادرين على تحمل كلفة المختبرات الخاصة، وهو ما يجعل أي تغيير في إشرافها مسألة تتجاوز الإطار التقني إلى أثر مباشر على الصحة العمومية.
ومع أن الهيكلة الجديدة جاءت محمولة بوعود إصلاحية، إلا أن تهميش مؤسسة تضم أزيد من 200 إطار متخصص في التحليلات والتكوين والرصد الوبائي، ممن تلقى العديد منهم تكوينات في مختبرات دولية ويمتلكون اعتمادات من منظمة الصحة العالمية، يطرح أسئلة عميقة حول أولويات الإصلاح. وتعتبر النقابة الوطنية لقطاع الصحة أن “استبعاد المعهد يشكل تراجعاً خطيراً عن المكتسبات التي راكمتها البلاد في مجال المختبرات العمومية”، مؤكدة في بيانها الأخير أن إعادة إدماجه ضمن الهيكلة عبر إلحاقه بالكتابة العامة هو “السبيل الوحيد لضمان استمرارية دوره المحوري”.
وتكشف تصريحات متطابقة من داخل المؤسسة عن استغراب واسع من المسار الذي اتخذته الهيكلة، خاصة أنها تأتي بعد وعود حكومية سابقة بتحويل المعهد إلى مؤسسة عمومية قوية وذات استقلالية، قبل أن تتقلص مكانته اليوم بشكل غير مفهوم. وفي خلفية هذا الغضب، تُستعاد تحذيرات صدرت منذ 7 نونبر بشأن “الميل إلى طمس المعهد من الخريطة المؤسسية”، وهي المخاوف التي تبدو اليوم – وفقا للمصادر – أكثر واقعية بعد الصيغة النهائية للتنظيم الجديد.
ومع استمرار الصمت الرسمي، تبدو الكرة في ملعب الوزارة لتقديم توضيحات بشأن مستقبل مؤسسة تُعدّ مرجعا علميا وطنيا ودولياً، في وقت تحتاج فيه المنظومة الصحية إلى تعزيز بناها العلمية لا تقليصها. وبينما يترقب المعنيون مآل النقاش المتصاعد، يظل السؤال الأكثر إلحاحا هو ما إذا كانت الهيكلة الجديدة ستعيد ترتيب البيت الداخلي للصحة أم ستفتح الباب أمام إضعاف مؤسسة استراتيجية يصعب تعويضها داخل منظومة الأمن الصحي للبلاد.







