بعد أن سبق لوزير الداخلية عبد الوافي لفتيت التعهد بإطلاق استراتيجية شاملة لتطوير النقل العمومي داخل المدن، لا تزال أزمة التنقل بالدار البيضاء تعكس هشاشة التخطيط وفجوة بين المشاريع الكبرى والواقع اليومي للمواطنين. شوارع العاصمة الاقتصادية ما تزال مزدحمة بشكل مزمن، والحافلات والترامواي، رغم الاستثمار الضخم الذي أعلن عنه في شتنبر الماضي، لم تتمكن بعد من تخفيف وطأة الاختناقات المرورية التي تنهك السكان وتضيع ساعات ثمينة من حياتهم.
ويؤكد سؤال كتابي للبرلمانية “لبنى الصغير” البرلمانية أن المدينة الاقتصادية الأولى في البلاد تعيش وضعاً مرورياً خانقاً لم يعد يتعلق بضغط ظرفي أو استثنائي، بل أصبح جزءاً من المشهد الحضري اليومي، مع ما يترتب عنه من استنزاف للوقت والطاقة وكلفة اقتصادية واجتماعية ونفسية لا يمكن تجاهلها.
وتشير عضو فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب إلى أن عدداً من الأحياء ومناطق النشاط الصناعي والتجاري، خصوصاً في مداخل المدينة ومحاورها الكبرى، باتت مشلولة في فترات الذروة، في ظل غياب عرض نقل عمومي قادر على مواكبة الكثافة السكانية والتحولات العمرانية والاقتصادية الكبرى.
ورغم حضور مشاريع الترامواي والباصواي وتجديد جزء مهم من أسطول الحافلات، إلا أن النائبة الصغيري تقر بأن هذه المبادرات لم تنجح بعد في تشكيل شبكة نقل حضري مندمجة ومتكاملة وقادرة على تأمين تنقل آمن ولائق وفي آجال معقولة. كما لفتت إلى أن الربط بين وسائط النقل المختلفة لا يزال محدوداً، وأن عدداً من الأحياء والمناطق السكنية، خاصة الواقعة في الأطراف، تعيش عزلة نقلية حقيقية رغم قربها الجغرافي من قلب المدينة.
وتساءلت البرلمانية عن الإجراءات العملية القريبة لتخفيف الضغط المروري، وعن وجود خطة حكومية موحدة بين القطاعات والمؤسسات المتدخلة، معتبرة أن أي معالجة تقنية أو مالية تبقى غير كافية ما لم تُبنَ سياسة النقل على رؤية اجتماعية تضع المواطن في مركز القرار العمومي، بما يضمن له حقاً أساسياً في التنقل بكرامة، وهو الحق الذي بات مهدداً في أكبر مركز حضري مغربي.
ويعيد هذا النقاش البرلماني إلى الواجهة ما كشفه وزير الداخلية في وقت سابق بخصوص إطلاق برنامج وطني جديد يغطي الفترة 2025-2029 ويقطع، حسب تصريحه، مع الاختلالات السابقة عبر اعتماد نموذج تدبيري جديد يفصل بين الاستثمار والاستغلال، ويرتكز على حكامة رقمية، وتمويل ضخم يبلغ 11 مليار درهم لاقتناء ما يقارب 3796 حافلة وتجهيزات موازية تشمل الأنظمة المعلوماتية ومحطات التوقف ومراكز الصيانة. كما تحدث عن مشاريع مهيكلة للترامواي وخطوط الحافلات عالية الجودة في عدد من المدن، من بينها الدار البيضاء، بتمويل مشترك بين الجماعات الترابية وصندوق الإصلاح والجهات.
غير أن الأسئلة المطروحة اليوم – وفقا للمصادر – لا تتعلق بتعدد الإعلانات والاتفاقيات، بل بوتيرة الإنجاز، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجاوز مرحلة الدراسات غير المنتهية، لا سيما أن البيضاويين ما زالوا يعيشون على وقع المفارقة بين مدينة تتوسع عمرانيا واقتصاديا بسرعة كبيرة، وشبكة نقل تتحرك ببطء لا يواكب هذا النمو المتسارع.







