لم يهدأ بعدُ الغبار الذي أثارته قضية العقار الجماعي بعين السبع، ولا تزال ارتداداتها تُلقي بظلالها الثقيلة داخل مجلس جماعة الدار البيضاء، رغم مرور خمسة أيام فقط على الدورة الاستثنائية ليوم 2 دجنبر. فمنذ أن تفجّرت معطيات حول انتقال صامت ومباغت لملكية بقعة تقدر قيمتها بنحو 20 مليار سنتيم، من رصيد الملك العام الحضري إلى شركة عقارية خاصة، أصبح الملف حديث الكواليس ومثار توتر سياسي وإداري يزداد حدّة يوماً بعد آخر.
مصادر متطابقة أكدت لـ”نيشان” أن العمدة نبيلة الرميلي وجدت نفسها في وضع لا تُحسد عليه منذ اللحظة الأولى لانكشاف الواقعة؛ إذ تحوّل ملف كان يفترض أن يكون مُرتّباً ومحسومًا لصالح الجماعة، إلى مأزق حقيقي يضرب في صميم تدبير الأملاك الجماعية، ويحرّك أسئلة حسّاسة حول طريقة معالجة ملفات التحفيظ وملفات التعمير خلال السنوات الماضية.
وخلال الدورة الاستثنائية، بدا المجلس منقسمًا بين من يرى في القضية “فضيحة عقارية” مكتملة الأركان، ومن يدعو إلى التريث والعودة إلى الوثائق والأحكام القضائية. نائب العمدة المكلف بالممتلكات، الحسين نصر الله، لم يُخفِ هو الآخر صدمته، بعد أن اكتشف – كما قال – أن الرسم العقاري 8447/ج لم يعد مسجّلاً باسم الجماعة رغم تسجيله باسمها سنة 2024 استنادًا إلى تصميم التجزئة الذي يصنّف الأرض كمساحة خضراء.
لكن المفاجأة التي زادت الوضع تعقيدًا هي ظهور حكم قضائي سابق لفائدة الشركة وليس ضد الجماعة، وحكم لمحكمة النقض يعود إلى 2017 بإلغاء جزئي لتصميم التهيئة، وهو ما أعاد فتح أسئلة أخرى حول كيفية تطبيق الوثائق التعميرية وتراتبيتها، ومن يتحمّل مسؤولية عدم استكمال إجراءات الإلحاق منذ سنة 2020، تاريخ تسليم صاحب التجزئة للمحضر الذي يثبت انتقال الملكية قانونياً إلى الجماعة.
في السياق ذاته، تتحدث مصادر من داخل المجلس عن “ارتباك حقيقي” داخل المكتب المسير الذي تقوده التجمعية نبيلة الرميلي، وعن محاولة تبريد الأجواء بعد توالي اتهامات واستقالات هزّت مقاطعة عين السبع في الأيام الماضية، خاصة بعد تداول رسالة مجهولة المصدر داخل مجموعة واتساب تُلمّح إلى تدخلات غير مفهومة لتغيير وضعية العقار، ما أدى إلى انفجار غضب بعض المنتخبين وخروج نائب برلماني سابق من الاجتماع بشكل مفاجئ.
العدالة والتنمية، الذي وجد في الملف فرصة لفتح دفاتر قديمة، خرج بدوره عبر رئيس فريقه عبد الصمد حيكر ليؤكد أن “التحويل المفاجئ” يستدعي تدخلاً من وزارة الداخلية وإيفاد لجنة تفتيش. حيكر اعتبر أن ما جرى ليس حدثاً عرضيًا، بل حلقة من اختلالات أوسع في قطاع التعمير، محذّرًا من أن أي تلاعب في التصاميم أو الاستثناءات العمرانية قد يجرّ المدينة إلى مزيد من الاحتقان.
من جهته، اختار كريم الكلايبي، عضو المجلس، تصعيدا مختلفا، إذ اقترح اللجوء إلى نزع الملكية في كل الأحوال، معتبرًا أن البقعة المعنية استراتيجية لارتباطها بحديقة الحيوانات الجديدة وبمشاريع مواقف الحافلات والسيارات. بينما أصوات أخرى داخل المجلس تعتبر أن المعركة القانونية قد تكون طويلة، وأن المجلس بحاجة أولاً إلى تنظيف أرشيفه وإعادة ضبط خرائطه وملكياته قبل فتح أي مواجهة مع المحافظة العقارية أو مع الشركة.
من جانبها حاولت العمدة الرميلي في مداخلتها ضبط إيقاع النقاش، مؤكدة أن المجلس “لن يتراجع مطلقاً عن استرجاع أملاك المدينة”، ومعلنة إطلاق عملية واسعة لإحصاء جميع ممتلكات الجماعة، مع وعد بتقديم نتائج أولية في فبراير المقبل. مصادر حضرت الاجتماع قالت إن نبرة الرميلي كانت حازمة لكنها متوترة، وكأنها تُدرك أن الملف انفلت من حدود النقاش التقني ليتحول إلى مواجهة سياسية مفتوحة.
أما سكان عين السبع، الذين ينتظرون مساحات خضراء منذ عقدين، فيتابعون المشهد بمرارة أكبر؛ فالأرض التي يراها المنتخبون اليوم محور نزاع قانوني وسياسي، هي نفسها التي وعدتهم بها التصاميم القديمة كحديقة عمومية، قبل أن تختفي تدريجياً خلف تضارب الوثائق وتأجيلات غير مفهومة، لتعود اليوم في قلب زوبعة جديدة يصعب توقع مآلاتها.
ومع غياب أي توضيح رسمي مكتمل من طرف المحافظة العقارية إلى حدود الآن، يبقى ملف هذه البقعة أشبه بمرآة عاكسة لأزمة الحكامة العقارية داخل أكبر جماعة في المغرب. فالقضية، كما يقول أحد المنتخبين، “لم تعد تتعلق بمجرد عقار ضاع أو لم يضع… بل بـمنظومة بكاملها تحتاج إلى الجرأة لإعادة بنائها”.
وفي انتظار ذلك، يستمر الضغط السياسي داخل المجلس، وتتواصل المساعي في الكواليس بحثا عن خيط يقود إلى مخرج قانوني يحفظ ماء وجه الجماعة ويعيد الاعتبار لملكها الجماعي، أو على الأقل يجيب عن السؤال الذي لم يعد بالإمكان الهروب منه “كيف خرج عقار جماعي بهذه القيمة من ملك المدينة دون أن ينتبه أحد؟”.







