لقد شهد النظام العالمي المالي تغيرا عميقا وجذريا في توازن القوة الاقتصادية، اتسم بظهور نخبة عالمية جديدة، هذه النخبة تتألف من عدد قليل من عمالقة المال الذين جمعوا كميات هائلة من المدخرات العالمية، وتمكنوا من توجيه هذه الموارد نحو الشركات الرئيسية المدرجة في مؤشرات الأسهم العالمية، حيث أصبحت صناديق الاستثمار مثل فانغارد (Vanguard) وبلاك روك (Blackrock) وستيت ستريت(State Street) ، قوة اقتصادية مطلقة، فهذه الصناديق استطاعت أن تستحوذ على شركات عملاقة مثل أبل (Apple) ومايكروسفت (Microsoft)، فضلا عن معظم الشركات الخمسين الأولى في مؤشر ستاندرد آند بورز (Standard & Poor’s)بفضل السيولة التي جمعتها وقدرتها على التأثير في الأسواق المالية.
فتأثير هذه الصناديق لا يقتصر فقط على السيطرة على الشركات الخاصة في قطاعي المالية والتكنولوجيا، بل يمتد أيضا إلى الشركات العامة التي تدير البنية الأساسية الحيوية للسيادة الدول، مثل الطاقة والصناعة والبنوك، فمن خلال عمليات الاستحواذ إما الكلي أو الجزئي على هذه الشركات، تمكنت هذه الصناديق الاستثمارية من اختراق سوق شركات المرافق العامة المدرجة في البورصة، وبهذه الطريقة، أصبحت هذه الصناديق عنصرا أساسيا في تحديد استراتيجيات القطاعات التي خضعت تاريخيا لسيطرة الدولة، وقد أتاحت لهم هذه الاستراتيجية في توجيه الخيارات والقرارات الاقتصادية والمالية والسياسات العامة داخل الدول.
فالأرقام تتحدث عن نفسها، وفقا للبنك الاحتياطي الفيدرالي، في بداية عام 2024، كانت أكبر عشر صناديق استثمارية في الولايات المتحدة الأمريكية تدير أصولا بقيمة تقترب من 48 ترليون دولار، ومن بين هذه الشركات، تسيطر شركات فانغارد، وبلاك روك ومعهما ستيت ستريت على أكثر من 22 تريليون دولار، وهو رقم يعادل إجمالي الأصول التي يحتفظ بها النظام المصرفي الأمريكي بأكمله، والتي تبلغ نحو 23 تريليون دولار؛ سيطرت هذه الصناديق الاستثمارية زاد من حجمها وأصبحت سلطة مالية قائمة بذاتها تؤثر على القرارات السياسية للدول، خاصة بعد أزمة عام 2008، والتي خرجت منها الصناديق أقوى بفضل تعرضها المحدود لنظام الرهن العقاري، وفي غضون سنوات قليلة، انتقلت السلطة التي كانت في السابق حكرا على البنوك إلى هذه الشركات المالية العملاقة، مما أدى إلى تحول جذري في التوازن الاقتصادي العالمي.
إن أحد الجوانب الرئيسية للقوة التي تمارسها هذه الصناديق، يتمثل في ملكية الأسهم المتبادلة، على سبيل المثال، تمتلك شركة فانغارد %14 من شركة بلاك روك، في حين تمتلك شركة بلاك روك %13.5 من شركة فانغارد، ومن ناحية أخرى، فإن شركة ستيت ستريت مملوكة جزئيا لشركة فانغارد وبلاك روك؛ هذا الهيكل غير شفاف لملكية الأسهم من الصعب للغاية تحديد من يملك هذه الشركات العملاقة فعليا، ومن خلال هذه الشبكة من الملكيات المتبادلة، تمتلك الصناديق الثلاثة حصة الأسد في العديد من الشركات الكبرى المدرجة في البورصة، وهو الامر الذي يجعلها كما سبق وتطرقنا له، تؤثر في القرارات الاستراتيجية لقطاعات اقتصادية بأكملها.
لقد أدى تركيز السلطة في أيدي عدد قليل من الصناديق الاستثمار إلى إحداث تحول راديكالي في المشهد الاقتصادي العالمي، ومن خلال السيطرة على الشركات المدرجة في البورصة والمؤسسات العمومية والسياسة المالية، نجحت صناديق الاستثمار مثل بلاك روك وفانغارد وستيت ستريت في أن يصبحوا السادة الجدد للاقتصاد العالمي، ويثير هذا النظام الاحتكاري، المتخفي في صورة سوق حرة، تساؤلات خطيرة حول استدامة نموذج اقتصادي يضحي بالمصلحة العامة من أجل تحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح؛ إن قدرة هذه الشركات المالية العملاقة على التأثير في السياسة والاقتصاد والمالية، تمثل بداية نظام عالمي جديد، حيث تترجم السيطرة فيه على رأس المال إلى سيطرة أكثر صرامة على حياة المواطنين.
عمالقة المال الذين يحكمون العالم







