في الوقت الذي ترتفع فيه حدة النقاش داخل المغرب بشأن الأثر البيئي لزراعة الأفوكادو واستنزافها للفرشات المائية في بلد يعيش عامه السابع على التوالي تحت وطأة الجفاف، جاءت شهادات مهنيين إسبان لتمنح هذه الفاكهة المثيرة للجدل بُعدًا جديدًا. تقارير إعلامية إسبانية تحدثت بنبرة لا تخلو من الاعتراف الصريح بتفوق الإنتاج المغربي بشكل غير مسبوق، إلى درجة دفع بعض الخبراء إلى تشبيه المغرب بـ«فيراري» مُنطلقة بأقصى سرعة، فيما تكتفي إسبانيا بمحاولة اللحاق دون جدوى.
الخبير الزراعي بيبّي كوادرادو، مؤسس شركة Iberian Avocados، قدّم واحدة من أكثر المقارنات دلالة على حجم التحول. فبالنسبة إليه، لا يتعلق الأمر بتفوق ظرفي، بل بفارق بنيوي يجعل منافسة المغرب شبه مستحيلة. ففي حين تُعتبر ضيعة من عشرة هكتارات كبيرة بمقاييس جنوب إسبانيا، يتحدث عن نطاقٍ مغربي يصل إلى 200 هكتار للهكتار الواحد في بعض المناطق، فوق أراضٍ منبسطة ورملية ومجهزة بأنظمة ري تسمح بزراعة قريبة من “الهيدروبونيك” دون أن يتحمل أصحابها الكلفة الثقيلة التي يعرفها الفلاح الأوروبي.
وتعترف وسائل إعلام إيبيرية بأن الفارق الاقتصادي يلعب دورًا حاسمًا؛ فتكلفة اليد العاملة بين 7 و10 يورو في اليوم بالمغرب تجعل من المستحيل على المنتج الإسباني مجاراة أسعار البيع. وفي الوقت الذي تتراجع فيه المساحات في أوروبا تحت ضغط الجفاف وارتفاع كلفة الطاقة، تضاعفت الأراضي المخصصة للأفوكادو في المغرب بأكثر من 150% بين 2018 و2023، لتُختتم الحملة الحالية بمحصول يناهز 120 ألف طن، متجاوزًا بكثير ما باتت إسبانيا قادرة على ضخه، رغم تاريخها الطويل باعتبارها منتجًا رئيسيًا داخل الاتحاد الأوروبي.
لكن هذا التفوق الذي يتغنى به الإسبان من زاوية اقتصادية، يتحول داخل المغرب إلى مصدر قلق بيئي يزداد حدة سنة بعد أخرى. نشطاء بيئيون حذّروا منذ سنوات من أن شجرة الأفوكادو «عطشانة بشكل مفرط»، إذ تتطلب بين 600 و700 لتر من المياه لإنتاج كيلوغرام واحد فقط، في وقت تشير فيه الأرقام الرسمية إلى تراجع المخزون المائي الوطني إلى مستويات حرجة لم يشهدها المغرب منذ عقود. وفي مناطق مثل الغرب وسوس، حيث تتركز أكبر الضيعات، ارتفعت التحذيرات بشأن الهبوط المتواصل في منسوب الآبار وتهديد توازن الفرشات المائية، دون أن يصاحب ذلك نقاش وطني حقيقي حول نموذج التدبير أو التحول نحو محاصيل أقل استهلاكًا للماء.
ويرى بعض الخبراء المغاربة أن تفوق المملكة على إسبانيا قد يمنح الفاعلين الاقتصاديين إحساسًا زائفًا بالأمان، في حين أن هذا النمو السريع لا يراعي حدود القدرة البيئية للبلد. وبحسب مصادر مهنية، فإن جزءًا مهمًا من الإنتاج موجه للتصدير نحو أوروبا انطلاقًا من بنية لوجستية متطورة، وهو ما يجعل الضغط مستمرًا على مناطق معينة دون غيرها. وفي المقابل، يعتقد فاعلون بيئيون أن النقاش الإسباني، الذي يسلّط الضوء على حجم المساحات وكلفة الإنتاج في المغرب، قد يشكل فرصة لإعادة طرح السؤال الذي ظل معلقًا: ما حدود التوسع في زراعة الأفوكادو داخل بلد يعاني من جفاف مزمن؟.
وبينما تنظر الضيعات الإسبانية إلى المغرب باعتباره قوة صاعدة يصعب منافستها، يجد المغاربة أنفسهم بين مفارقة “النجاح” الاقتصادي و”الهشاشة” البيئية. فالمسألة لم تعد مجرد مقارنة بين أداء بلدين، بل صارت سؤالاً داخليًا ملحًا عن مستقبل الأمن المائي، وعن قدرة القطاع الفلاحي على إعادة التوازن بين التصدير، وتحقيق العائدات، وحماية الثروات الطبيعية التي تتآكل بصمت تحت ضغط مناخي لا يبدو أنه سيتراجع قريبًا.







