وسط فضائح تضارب المصالح وصفقات الصحة المشبوهة التي تحاصره من كل جانب، اختار وزير التربية الوطنية سعد برادة أن يعود لتشحيم مقصلة الإعفاءات.
ذات المقصلة الصدئة التي سبق وأن أطاحت برؤوس 16 مديرًا إقليميًا، بعد أن تقمص المفتش العام حسين اقوضاض من جديد دور “الغراق”، في انتظار أن يتم مكافأته بمنصب الكاتب العام.
اليوم، الضحية الجديدة لبرادة وقوضاض هو المدير الإقليمي لشيشاوة، الذي نزل “ميساج” إعفائه بشكل مفاجئ ليتم تقديمه ككبش فداء للتغطية على فشل الوزارة في إعادة بناء المؤسسات التعليمية المتضررة من الزلزال…
هي مجرد تهمة سريعة تم تسويقها، ما دامت الوزارة تفضل استخدام كاتم الصوت لإطلاق رصاصات الإعفاء على عهد السي قوضاض، الذي صار بمثابة “قرين” للوزير برادة.
دور البطولة الذي يحاول برادة تقمصه من خلال الإطاحة بالمدير الإقليمي لشيشاوة لن يفلح في إخراج الرجل من وجل فضحية صفقات الأدوية، بقدر ما يؤكد أن من يستحق الإعفاء فعلاً هو هذا الرجل الذي فشل في كل شيء، وجعل سفينة الوزارة مثل سفينة مليئة بالثقوب يسعى الجميع للقفز منها، باستثناء المفتش العام الذي يسعى برادة لتنصيبَه ككاتب عام لدفن أسرار كثيرة بعد أن تواطأ الرجلان على الإطاحة بالسحيمي.
من يستحق الإعفاء هو الوزير برادة، الذي جعل عشرات الآلاف من تلاميذ المدرسة الرائدة دون مقررات، وفرض على الأسر أن تنتقل بين المكتبات والمدن للبحث عنها، قبل أن تجد في الفوطوكوبي حلاً.
يحدث كل هذا والمفتش العام “نائم” وخارج التغطية، ويتملص من كشف تفاصيل ما وقع في صفقات المدرسة الرائدة من خواض وتخلويض، حتى لا يطير منه منصب الكاتب العام.
من يستحق الإعفاء فعلاً هو الوزير برادة، الذي جعل من أبناء المغاربة فئران تجارب داخل “مدرسة رائدة”. يؤكد كل من لديهم غيرة على الوطن، ونية حسنة وفهم للقطاع أن الوزارة تحفر قبر فشل هذا المشروع الذي استنزف مئات الملايير، تارة بمعول برادة وصفقاته التفاوضية التي سيحين زمن فتح علبتها السوداء، وتارة بمعول الكاتب العام بالنيابة، الذي صار بمثابة الحاكم الفعلي لباب الرواح في ظل وجود وزير للحلويات سقط عنه اليوم قناعه كتاجر للأدوية.
من يستحق الإعفاء أيضًا هو المفتش العام، الذي التصق بالمنصب كالعلق، ونجح في البقاء فيه رغم أنه أكبر رموز صفقات البرنامج الاستعجالي، الذي انتهى بجر موظفين ومسؤولين صغار لغرف جرائم الأموال، فيما يجلس السي قوضاض، الذي نشرت نقابة معصيد غسيله، وكأن يديه غير ملطختين بوحل مئات الملايير التي طارت فقط لأنه اختار أن يضع “عين ميكا” على امتداد أزيد من 15 سنة.
يكفي أن الرجل تطارده لعنة تفويت عشرات العقارات التي كانت مخصصة لمدارس عمومية لصالح نافذين وأبناء مسؤولين ومقربين من قيادات حزبية.
لقد كان الراحل محمد الوفا صريحًا حين أكد أن إصلاح منظومة التربية لن يتم ما لم يتم تطهير دفة القيادة داخل الوزارة من كل العبث الذي ينخرها، والذي صار المفتش العام و الوزير برادة رمزا وعنوانًا له.
أليس أكبر عنوان على فشل الوزير برادة أن حزبه صار يمتنع عن بث تصريحاته، التي تجعلنا نضحك حسرة على وضع مفاتيح قطار التعليم في يد رجل أعمال عاجز عن نطق جملة مفيدة؟
المستشارة الحديدية التي غادرت الوزارة وصفقت باب الرواح ورائها ليست الوحيدة… فقبلها رحل آخرون منذ مجيء برادة، فيما صار الجميع يمتنع عن الترشح لمناصب المسؤولية في وزارة على رأسها رجل يبيع الدواء… ويزرع الأمراض القاتلة في جسد التعليم.







