حمَلت ندوة نُظّمت أخيرا بمدينة الناظور حول أزمة صناديق التقاعد نقاشا معمقا ومشحونا بالمعطيات والأرقام، انتهى إلى تحميل الدولة المسؤولية الأساسية عن الاختلالات البنيوية التي تعاني منها أنظمة التقاعد، والتنبيه إلى مخاطر الاستمرار في مقاربات إصلاحية محاسباتية وتقنية، معزولة عن البعد الاجتماعي والحقوقي لهذا الملف الحساس.
الندوة، التي نظمتها الشبيبة العاملة المغربية فرع الناظور بتنسيق مع الاتحاد الإقليمي لنقابات الناظور، شكلت فضاء مفتوحا لتفكيك جذور الأزمة في حضور أساتذة جامعيين وخبراء وباحثين وفاعلين نقابيين، أجمعوا على أن التقاعد لا يمكن التعامل معه كعبء مالي أو رقم محاسباتي، بل كحق عمالي أصيل ومكون مركزي من مكونات الحماية الاجتماعية والاستقرار المجتمعي.
وخلال أشغال اللقاء، شدد المتدخلون على أن الاختلالات الراهنة ليست نتيجة حتمية لارتفاع أمد الحياة أو تزايد أعداد المتقاعدين، بل تعود بالأساس إلى تراكم سياسات عمومية فاشلة، في مقدمتها التقشف في التشغيل العمومي، وتفكيك منظومة التوظيف، وضعف التصريح بالأجراء لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إلى جانب سوء الحكامة وغياب الشفافية في تدبير واستثمار احتياطات صناديق التقاعد.
النقاش توقف مطولا عند مسؤولية الدولة، سواء بصفتها مشرعا أو مشغلا، حيث جرى التذكير بعدم وفائها لسنوات طويلة بالتزاماتها المالية تجاه نظام المعاشات المدنية، وما ترتب عن ذلك من إنهاك للاحتياطات وتفاقم للعجز، فضلا عن اختلالات همّت تدبير المحافظ المالية، وغياب آليات المراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، في ظل هيمنة ممثلي الحكومة على المجالس الإدارية للصناديق وتهميش التمثيلية النقابية.
وسجّل المشاركون أن الإصلاحات التي فُرضت خلال السنوات الماضية، خصوصا تلك التي مست سن التقاعد ونسب الاقتطاع وطريقة احتساب المعاش، لم تعالج جوهر الأزمة، بقدر ما حمّلت الأجراء والموظفين كلفة اختلالات لم يكونوا سببا فيها، وأسهمت في تقليص المعاشات وإضعاف القدرة الشرائية للمتقاعدين، ما عمّق الإحساس بعدم الأمان الاجتماعي لدى فئات واسعة من الشغيلة.
وفي هذا السياق، عبّر المتدخلون عن رفضهم القاطع لأي إصلاحات أحادية أو عودة لمنطق المقاربة المقياسية، وكذا أي توجه نحو إدخال الرسملة أو خوصصة أنظمة التقاعد، محذرين من مخاطر رهن معاشات الأجراء بتقلبات الأسواق المالية. بالمقابل، جرى التشديد على ضرورة التشبث بنظام التوزيع القائم على التضامن بين الأجيال، باعتباره الإطار الأضمن لحماية دخل المتقاعدين، شريطة توسيع قاعدة المنخرطين عبر خلق مناصب شغل حقيقية وتحسين الأجور.
وفي ختام أشغال الندوة، تُوّج النقاش بصياغة توصيات ختامية عكست خلاصات التداول الجماعي، ودعت إلى اعتماد مقاربة تشاركية قوامها الحوار الاجتماعي الجاد والمفاوضة الجماعية، وإلى إصلاح عميق لنظام الحكامة داخل الصندوق المغربي للتقاعد وباقي الأنظمة، بما يضمن تمثيلية فعلية للحركة النقابية، وشفافية في تدبير الأموال، وتوجيها للاحتياطات المالية لخدمة الحاجيات الاجتماعية للمنخرطين بدل إخضاعها لمنطق الربح الضيق.
كما أكدت التوصيات على ضرورة تحمل الدولة لمسؤولياتها التاريخية والمالية في تمويل العجز، واحترام المعايير الدولية للضمان الاجتماعي، والقطع مع منطق تحميل الشغيلة كلفة اختلالات متراكمة، مع الدعوة إلى الزيادة في المعاشات وتحسين شروط عيش المتقاعدين. وخلصت الندوة إلى أن حماية الحق في التقاعد ليست فقط التزاما اجتماعيا، بل شرطا أساسيا لتحقيق الاستقرار والسلم الاجتماعيين، ومدخلا لا غنى عنه لأي تنمية عادلة وشاملة.







