في الوقت الذي يستمر فيه النقاش حول العدالة الضريبية في المغرب ومدى توازن العبء الجبائي بين مختلف الفئات، تظهر المعطيات الرسمية تسجيل ارتفاع واضح في مداخيل الدولة من الضرائب خلال الأشهر الأخيرة، ما أعاد إلى الواجهة أسئلة الإنصاف الجبائي، وحدود مساهمة كل الفاعلين الاقتصاديين في تمويل الميزانية العمومية.
وتُظهر الأرقام أن المغرب بات من بين الدول الإفريقية الأكثر قدرة على تعبئة موارده الجبائية، إذ بلغ معدل الضرائب مقارنة بالناتج الداخلي الخام، في صيغته الصرفة، حوالي 21,2 في المائة، وهو مستوى يفوق متوسط القارة الإفريقية بنحو خمس نقاط. هذا المؤشر يعكس، وفق مختصين، تحسن نجاعة التحصيل الجبائي وقدرة الإدارة الضريبية على تأمين موارد مستقرة للخزينة، أكثر مما يعكس مجرد ارتفاع في الضغط الضريبي.
وعلى المستوى القاري، لا يتجاوز متوسط نسبة الضرائب إلى الناتج الداخلي الخام 16,1 في المائة، مع تفاوتات كبيرة بين الدول، حيث لا تتعدى هذه النسبة في بعض البلدان 3 في المائة، مقابل اقترابها من 25 في المائة في دول محدودة من بينها المغرب، عند احتساب الاشتراكات الاجتماعية. ويُفسَّر هذا التباين بضعف الوعاء الضريبي في عدد من الاقتصادات الإفريقية، ما يحد من قدرتها على تمويل السياسات العمومية الأساسية.
وفي السياق المغربي، تشير معطيات وزارة الاقتصاد والمالية إلى أن استقرار الضغط الضريبي خلال السنوات الخمس الماضية ترافق مع تحولات هيكلية في بنية النظام الجبائي. فقد واصلت المديرية العامة للضرائب تنزيل إصلاحات همّت توسيع القاعدة الضريبية، وتعزيز آليات المراقبة، وتحسين مساطر التحصيل، ما مكّن من رفع المداخيل دون اللجوء إلى زيادات كبيرة في نسب الضرائب، في انسجام مع التوجهات العامة للإصلاح الجبائي.
وبالتوازي مع هذه المؤشرات الإيجابية على مستوى الموارد، يتجدد الجدل حول وضعية المقاولات الصغيرة جدًا، التي تطالب بتخفيف العبء الضريبي أو توسيع نطاق الإعفاءات. غير أن معطيات رسمية تفيد بأن تعميم إعفاءات واسعة قد تكون له كلفة مباشرة على الميزانية، خاصة أن أغلب المقاولات المصرح بها ضمن الضريبة على الشركات تسجل رقم معاملات محدودًا. في المقابل، يركز فاعلون اقتصاديون على أن الإشكال الأساسي لا يرتبط فقط بمستوى الضرائب، بل بمحاربة الاقتصاد غير المهيكل، وتبسيط المساطر، وتسريع البت في النزاعات الجبائية.
ومن أبرز التحولات التي يعرفها النظام الجبائي المغربي خلال السنوات الأخيرة، تعزيز مكانة الضرائب المباشرة على حساب الضرائب غير المباشرة والرسوم الجمركية. فقد أظهرت معطيات السنة المالية الجارية أن مداخيل الضرائب المباشرة، إلى حدود نهاية نونبر، تجاوزت مداخيل الضرائب غير المباشرة، لتتحول إلى الركيزة الأساسية للموارد الجبائية، في مسار يعتبره متتبعون أكثر انسجامًا مع مبادئ العدالة الضريبية.
ويأتي هذا التطور في سياق اتجاه عام بعدد من الدول الإفريقية، حيث ساهم تحسن مردودية الضريبة على الشركات في دعم المداخيل العمومية، رغم أن الضرائب غير المباشرة لا تزال تشكل المصدر الرئيسي للموارد في أغلب بلدان القارة، وهو ما يبرز خصوصية التجربة المغربية مقارنة بعدد من الاقتصادات المماثلة.
وفي موازاة ذلك، شرعت عدة دول، من بينها المغرب، في ملاءمة تشريعاتها الجبائية مع التحولات التي فرضها الاقتصاد الرقمي. فقد تم إدماج أنشطة رقمية كانت خارج الوعاء الضريبي، بما فيها مداخيل صناع المحتوى والمؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي، في خطوة تهدف إلى توسيع القاعدة الضريبية، لكنها تطرح في الآن ذاته تحديات مرتبطة بالمراقبة وفعالية التطبيق.
وتُبرز هذه المعطيات مجتمعة صورة نظام جبائي يحقق مداخيل متنامية ويعزز موارده، لكنه يظل في قلب نقاش عمومي متواصل حول العدالة الجبائية، وتوزيع العبء الضريبي، وقدرة الإصلاحات الجارية على تحقيق توازن فعلي بين متطلبات تمويل الدولة وانتظارات الفاعلين الاقتصاديين والمجتمع.







