رغم التحذيرات المتواصلة من تفاقم الإجهاد المائي وتراجع المخزون الاستراتيجي للسدود، يواصل المغرب تعزيز موقعه كأحد أبرز المنتجين والمصدرين العالميين للأفوكادو، أحد أكثر الزراعات استنزافًا للمياه، في مفارقة تطرح أسئلة حادة حول اختيارات السياسة الفلاحية وكلفتها البيئية والاجتماعية.
فبحسب معطيات نشرها موقع فريش بلازا الفرنسي المتخصص في أخبار الخضر والفواكه، سجلت صادرات المغرب من الأفوكادو خلال الموسم التسويقي 2024/2025 رقمًا قياسيًا جديدًا بلغ 112 ألف طن، أي ضعف الكمية المحققة في الموسم السابق، مع تجاوز عائدات التصدير لأول مرة حاجز 300 مليون دولار. ويأتي هذا الأداء ليكرس خمس سنوات متتالية من النمو المتواصل، رغم استمرار الجفاف للعام السادس على التوالي.
وتحول الأفوكادو خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أعمدة الصادرات الفلاحية المغربية، إذ بات يساهم بأكثر من 10 في المائة من إجمالي مداخيل تصدير الفواكه، ولم تتجاوزه من حيث حجم الصادرات سنة 2024 سوى المندرين والبطيخ. وبلغت ذروة التصدير في يناير 2025 بنحو 32.600 طن في شهر واحد، وهو رقم يفوق مجموع صادرات المغرب من هذه الفاكهة خلال موسم 2019/2020 بأكمله.
وتتصدر إسبانيا وجهات الأفوكادو المغربي بنسبة تفوق 35 في المائة من الشحنات، تليها فرنسا وهولندا، فيما سجلت أسواق ثانوية، من بينها كندا وإيطاليا وسويسرا وبلدان خليجية، نموًا لافتًا، لتصل الصادرات إلى 27 دولة. غير أن هذا النجاح التجاري يوازيه قلق متزايد داخليًا، في ظل ما تشير إليه الدراسات البيئية من أن الكيلوغرام الواحد من الأفوكادو قد يستهلك ما بين 600 و1000 لتر من المياه، حسب أنماط السقي والمناطق، وهو ما يجعل هذه الزراعة من بين الأكثر ضغطًا على الموارد المائية.
ويتركز إنتاج الأفوكادو أساسًا في مناطق تعاني أصلًا من تراجع الفرشات المائية، مثل اللوكوس وسوس والغرب، حيث يعتمد جزء كبير من الضيعات على السقي المكثف، في وقت دعت فيه السلطات العمومية إلى ترشيد استعمال الماء، وفرضت قيودًا على سقي المساحات الخضراء وحتى على بعض الزراعات المعيشية. هذا التناقض بين خطاب ندرة الماء واستمرار التوسع في الزراعات التصديرية العطشى يعيد إلى الواجهة نقاشًا قديمًا متجددًا حول أولوية الأمن المائي والغذائي، ومن يستفيد فعليًا من هذا النمو الفلاحي.
ورغم أن الفاعلين في القطاع يعزون استمرار ارتفاع الإنتاج إلى تحسن التقنيات الزراعية واستثمارات القطاع الخاص، فإن خبراء بيئيين يحذرون من أن المكاسب المالية قصيرة الأمد قد تقود إلى كلفة بيئية ثقيلة على المدى المتوسط، خاصة في ظل التغيرات المناخية وتسارع وتيرة الجفاف.
وبينما يراكم الأفوكادو أرقامًا قياسية في التصدير، يظل السؤال مطروحًا حول مدى انسجام هذا المسار مع واقع المغرب المائي، وحول الحاجة إلى إعادة تقييم نموذج فلاحي يقوم على تصدير “الماء الافتراضي” في بلد يعاني العطش.







