في وقت تتكدس فيه المؤشرات الدالة على عمق أزمة السكن بالمغرب، أعادت معطيات رسمية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط طرح سؤال السياسات العمومية في هذا القطاع بإلحاح أكبر، بعدما كشفت عن وجود نحو 2.4 مليون وحدة سكنية غير مأهولة داخل المدن سنة 2024، أي ما يقارب 30 في المائة من الرصيد الحضري، مقابل عجز سكني يناهز 334 ألف وحدة، يثقل كاهل مئات الآلاف من الأسر، خصوصا من ذوي الدخل المحدود والطبقة المتوسطة المتآكلة.
الأرقام توضح أن هذه الوحدات غير المستغلة تتوزع بين حوالي 1.12 مليون مسكن فارغ و1.29 مليون مسكن ثانوي، في منحى تصاعدي تضاعف ثلاث مرات خلال العشرين سنة الأخيرة، خاصة في المدن الكبرى والواجهات السياحية. جهات الدار البيضاء–سطات، طنجة–تطوان–الحسيمة، والرباط–سلا–القنيطرة، تتصدر هذا المشهد، حيث تحولت السكنيات إلى أوعية ادخارية ومضاربية، أكثر منها فضاءات للعيش، ما عمّق الفجوة بين العرض الحقيقي والحاجة الاجتماعية الفعلية.
وسط هذه المفارقة الصارخة، كان كاتب الدولة المكلف بالإسكان، أديب بن إبراهيم، قد أعلن خلال يونيو الماضي، من داخل البرلمان، أن برنامج الدعم المباشر للسكن مكّن من استفادة 54 ألف شخص، من بينهم ثلاثة آلاف فقط بالعالم القروي، مقابل استقبال أزيد من 167 ألف طلب. وهي أرقام، وإن قُدمت باعتبارها حصيلة “مشجعة”، إلا أنها تبدو محدودة الأثر عند مقارنتها بحجم الخصاص البنيوي واتساع دائرة الإقصاء السكني داخل المدن، حيث تشير تقديرات مهنيي القطاع إلى أن الطلب السنوي على السكن الميسر يتجاوز 150 ألف وحدة، في حين لا يغطي العرض المدعوم سوى جزء ضئيل منه.
خطاب بن إبراهيم، كما تراه مصادر مطلعة، ظل أسير منطق الأرقام المجردة، دون تقديم قراءة نقدية لاختلالات السوق العقارية أو طرح أدوات عملية لتوجيه الرصيد السكني غير المستغل نحو الفئات المحتاجة. فغياب سياسات ضريبية رادعة على المساكن الشاغرة، واستمرار التساهل مع المضاربة العقارية، جعلا من “الوفرة السكنية” رقما بلا أثر اجتماعي، بينما تستمر معاناة الأسر مع ارتفاع الأسعار وصعوبة الولوج إلى التمويل.
ويزداد هذا الارتباك وضوحا مع إعلان الشروع، ابتداء من غشت الفارط، في بناء 2930 وحدة سكنية موزعة على 49 مركزا قرويا ناشئا، في إطار تعبئة مجموعة العمران. فرغم أهمية الالتفات إلى العالم القروي، فإن هذه الأرقام، بحسل المصادر ذاتها، تبقى بعيدة عن معالجة الخصاص المتراكم، في وقت تشير فيه معطيات غير رسمية إلى أن ما يفوق 40 ألف أسرة قروية تحتاج سنويا إلى حلول سكنية ملائمة للحد من الهجرة نحو المدن.
أما وعد توفير 147 ألف وحدة سكنية في أفق 2028، فيعيد إلى الواجهة ذاكرة برامج سابقة رفعت سقف الطموح، قبل أن تصطدم بإكراهات التمويل، وغلاء العقار، وتعقيد المساطر، دون أن تنجح في إعادة التوازن إلى السوق. وتطرح المصادر هنا تساؤلات حول قدرة كاتب الدولة على مواكبة ملف بهذا الثقل، في ظل غياب رؤية مندمجة تجمع بين الإسكان، والتشغيل، والتخطيط الحضري، خاصة وأن قطاع البناء فقد خلال السنوات الأخيرة عشرات الآلاف من مناصب الشغل، بحسب تقديرات مهنية.
حتى ملف تثمين القصور والقصبات، الذي خصصت له الحكومة غلافا ماليا قدره 1.5 مليار درهم للفترة ما بين 2025 و2030، لم يسلم من الانتقاد، إذ يرى فاعلون أن التركيز على هذا الورش، رغم أهميته التراثية، لا يجب أن يُستعمل كواجهة سياسية في ظل أزمة سكن خانقة داخل المدن، وغياب حلول ملموسة للأحياء الهامشية والسكن غير اللائق.
الى ذلك، اعتبرت مصادر متطابقة أن حضور أديب بن إبراهيم في ملف الإسكان يتسم بالتردد وغياب الأثر، وأن التعديل الحكومي الذي أتى به لم يُحدث التحول المنتظر في تدبير واحد من أكثر الملفات الاجتماعية حساسية.
وتضيف المصادر نفسها أن الأزمة أعمق من مقاربة تقنية أو بلاغية، وتتطلب جرأة سياسية لإعادة النظر في النموذج العقاري برمته، وربط الحق في السكن بالعدالة المجالية والاجتماعية، بدل الاكتفاء بتدبير الأرقام داخل قبة البرلمان.







