بينما يجري الحديث في الكواليس عن قرب مغادرة والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري لمنصبه بعد أزيد من عقدين في قيادة السياسة النقدية، تعود إلى الواجهة مخاوف قديمة/جديدة مرتبطة بمصير نظام الصرف، وجدول “تعويم” الدرهم، وحدود استقلال القرار المالي المغربي في مواجهة ضغوط المؤسسات الدولية.
آخر اجتماع لمجلس بنك المغرب لسنة 2025 مرّ، في الظاهر، بهدوء تقني، “الإبقاء على سعر الفائدة في حدود 2,25 في المائة”، و”تأكيد التحكم في التضخم عند مستويات ضعيفة، مع الإعلان عن مرحلة تجريبية لاستهداف التضخم ابتداء من “2026. غير أن ما يُتداول في أوساط مالية وبنكية، بعيدا عن البلاغات الرسمية، يوحي بأن هذا الهدوء يخفي رهانات أكبر تتجاوز المؤشرات الظرفية، وتمس جوهر السيادة النقدية للمملكة.
مصادر مالية متطابقة تعتبر أن النقاش حول تعويم الدرهم لم يُحسم بعد، رغم التقدم التقني الذي راكمه بنك المغرب منذ توسيع نطاق التقلب سنة 2018.
وتؤكد هذه المصادر أن التدرج الذي دافع عنه الجواهري شخصيا، كان دائما مصحوبا بـ“فيتو عملي” ضد أي تسريع قد يربك التوازنات الاجتماعية، خصوصا في ظل هشاشة القدرة الشرائية واعتماد الاقتصاد الوطني على الاستيراد في مواد حيوية.
وتذهب المصادر ذاتها إلى أن والي بنك المغرب لعب، خلال السنوات الأخيرة، دور صمام أمان في مواجهة ضغوط متزايدة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذين يعتبران أن الظرفية الحالية مواتية للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدما من تحرير سعر الصرف.
ورغم أن الخطاب الرسمي يتحدث عن “مواكبة تقنية” و“دعم استشاري”، إلا أن التخوف، وفق فاعلين في السوق، هو أن يتحول هذا الدعم إلى إملاءات غير معلنة مع أي تغيير محتمل على رأس المؤسسة.
النقاش لا ينفصل، في نظر خبراء، عن السياق السياسي والمؤسساتي الذي يحيط بمرحلة ما بعد الجواهري. فاستقرار السياسة النقدية في المغرب ارتبط، لسنوات، بشخص الوالي أكثر من ارتباطه بتوافق وطني موسع حول اختيارات الصرف.
ومع اقتراب لحظة الخلافة، يُطرح السؤال حول ما إذا كان القادم سيحافظ على نفس الهامش من الاستقلالية، أم سيجد نفسه أمام ضغوط خارجية أقوى، مدعومة بحجج “الإصلاح” و“تحرير الاقتصاد”.
وكانت تجربة السنوات الماضية، قد أظهرت أن التدرج جنّب المغرب صدمات حادة، رغم أزمات ثقيلة من الجائحة إلى الجفاف وارتفاع أسعار الطاقة. لكن نفس التجربة كشفت أيضا أن أي انزلاق غير محسوب في قيمة الدرهم قد ينعكس مباشرة على أسعار المواد المستوردة، ويعيد إشعال التضخم الاجتماعي حتى لو ظل التضخم التقني تحت السيطرة.
من جهتها تحذر مصادر بنكية من اختزال التعويم في قرار تقني، معتبرة أن نجاحه يفترض نسيجا إنتاجيا أكثر صلابة، ومقاولات صغرى ومتوسطة قادرة على التحوط، وسوقا داخلية أقل هشاشة. وتضيف أن التعجيل بالإصلاح تحت ضغط خارجي، دون توفير هذه الشروط، قد يحول التعويم من أداة امتصاص الصدمات إلى مصدر صدمات بحد ذاته.
في هذا السياق، يبدو أن سنة 2026، التي تُقدَّم رسميا كسنة “اختبار”، قد تتحول فعليا إلى سنة مفصلية، ليس فقط في مسار نظام الصرف، بل في طبيعة العلاقة بين المغرب ومؤسساته المالية الدولية. ويبقى السؤال المطروح في الأوساط الاقتصادية، هل سيواصل المغرب تدبير هذا الورش بمنطق السيادة والتدرج، أم أن رحيل الجواهري قد يفتح الباب أمام تسريع لا يخلو من مخاطر اجتماعية وسياسية؟.







