بعد أزيد من سنة على التعديل الحكومي الذي أجراه عزيز أخنوش في أكتوبر 2024، والذي أُقحِم فيه ستة كتاب دولة بدعوى تخفيف العبء عن بعض القطاعات الوزارية وضخ “نَفَس جديد” في العمل التنفيذي، عاد سؤال الجدوى بقوة إلى الواجهة، ماذا قدّم هؤلاء فعليًا؟ وأين يظهر أثرهم في قطاعات اجتماعية واقتصادية تعيش أصلاً على وقع الأزمات والاختلالات.
مصادر مطلعة داخل الأغلبية الحكومية نفسها لم تُخفِ، في حديث إلى نيشان، استغرابها مما وصفته بـ“ضعف الأثر” الذي وسم تجربة عدد من كتاب الدولة، رغم مرور وقت كافٍ على نشر قرارات تفويض اختصاصاتهم بالجريدة الرسمية.
وتؤكد هذه المصادر أن الرهان الذي قُدِّم للرأي العام حينها، والقائم على تخفيف العبء عن الوزراء وتسريع وتيرة الإنجاز، لم يتحقق إلا في حدود ضيقة، إن لم يكن قد بقي حبرًا على ورق.
وفي قطاعات حيوية يُفترض أن تكون في صلب النقاش العمومي، يلاحظ متابعون غياباً لافتا لبعض كتاب الدولة عن واجهة الفعل السياسي. أسماء بالكاد تُذكر، وحضور يقتصر في الغالب على أنشطة بروتوكولية أو مداخلات تقنية داخل البرلمان، دون أن يواكب ذلك خطاب سياسي واضح أو مبادرات تعكس تحمّل المسؤولية التنفيذية.
من جهتها، اعتبرت مصادر برلمانية أن “بعض كتاب الدولة يشتغلون وكأنهم خارج الزمن الحكومي”، في وقت يتقاضون أجورا وتعويضات كاملة من أموال دافعي الضرائب.
وعلى سبيل المثال، وفي قطاع التجارة الخارجية، الذي يعيش على وقع اختلالات بنيوية وضغط متزايد على الميزان التجاري، تسجّل مصادر اقتصادية ما تصفه بغياب الرؤية لدى كاتب الدولة المكلف بالقطاع، عمر احجيرة، عن حزب الاستقلال. فلا مبادرات بارزة لمواكبة التحولات الدولية، ولا تواصل فعلي مع الفاعلين الاقتصاديين، ولا حضور يوازي حجم التحديات.
وتذهب هذه المصادر إلى القول إن “المنصب أُحدث، لكن القرار ظل محتجزًا”، ما يجعل الإضافة الحكومية شكلية أكثر منها عملية.
الوضع ذاته يكاد ينسحب على قطاع الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، حيث تتحدث مصادر من داخل الوزارة عن فجوة واضحة بين انتظارات المهنيين وأداء كاتب الدولة المكلف بالقطاع “لحسن السعدي”. فبينما يعيش هذا المجال حالة ركود عميقة بعد سنوات من الأزمات، لم تُسجَّل مبادرات استراتيجية أو لقاءات جامعة تعيد الثقة للصناع التقليديين، الذين يناهز عددهم 2.4 مليون. وتضيف المصادر أن الانطباع السائد هو أن “الزمن الحزبي طغى على الزمن الحكومي”.
بل أكثر من ذلك، وفي اتفاقات مع بعض التنظيمات النقابية لغرف الصناعة التقليدية، التزم كاتب الدولة بتنزيل وتفعيل مطلب مركزية الأجور، في وقت تتجه فيه الحكومة نفسها، في أكثر من قطاع، إلى التخلي عن هذا المبدأ، سواء في التعليم أو الصحة عقب تعميم نموذج المجموعات الصحية، وهو ما يعكس، بحسب المصادر، تناقضا في التوجهات.
وفي قطاع الصيد البحري، لا يبدو حضور زكية الدريوش، كاتبة الدولة المكلفة بالقطاع، أفضل حالا. فباستثناء الجدل الذي أثارته زلّة لسانها حين أقرت بمنح زميل لها في حزب التجمع الوطني للأحرار دعما ماليا يفوق المليار سنتيم من أجل تربية الرخويات، يكاد يغيب أي أثر سياسي أو اجتماعي ملموس لأدائها. وهو غياب يثير تساؤلات إضافية في قطاع يواجه اتهامات متكررة بالريع والاحتكار، ويعيش مفارقة ارتفاع أسعار السمك رغم وفرة الثروة البحرية، ما جعل اسم كاتبة الدولة يُستحضر أساسا في سياق الجدل لا السياسات العمومية.
أما في ملف الإسكان، فتؤكد مصادر متطابقة أن حضور أديب بن إبراهيم، كاتب الدولة المكلف بهذا الورش الاجتماعي الحساس، اتسم بالتردد والاكتفاء بتدبير الأرقام داخل قبة البرلمان، مقابل غياب مقاربة جريئة لمعالجة مفارقات صارخة، من قبيل التعايش بين عجز سكني متفاقم وملايين الوحدات غير المأهولة. وترى هذه المصادر أن الأزمة أعمق من برامج دعم جزئية، وتتطلب رؤية سياسية شاملة لم تظهر بعد في أداء كتابة الدولة.
وفي قطاع الشغل، انقلب منطق “الدعم” إلى صراع مفتوح. فبدل أن يشكل كاتب الدولة، هشام صابيري، سنداً للوزير الوصي في تدبير ملف اجتماعي ملتهب، تحوّل المنصب إلى مصدر ارتباك، مع بروز خلافات حادة حول الصلاحيات وحدود الاختصاص، وصلت حد توجيه دعوات متضاربة للنقابات في ماي المنصرم.
واعتبرت مصادر نقابية أن هذا الوضع “كشف هشاشة هندسة إحداث كتابة الدولة، حين لا تُحسم المسؤوليات منذ البداية”.
وفي وزارة التضامن، حيث تشهد وكالة التنمية الاجتماعية توترا اجتماعيا متصاعدًا، تسجّل مصادر نقابية غياب أي تدخل فعلي لكاتب الدولة المكلف بالإدماج الاجتماعي، عبد الجبار الراشيدي، رغم توالي الاحتجاجات وتأخر المستحقات وتعطيل الحوار الاجتماعي. وهو ما يطرح، بحسب هذه المصادر، سؤالاً مباشرا حول معنى وجود كتابة دولة في قطاع اجتماعي دون حضور ميداني في لحظات الاحتقان.
وسياسيا، ترى مصادر نيشان أن استحداث مناصب كتاب الدولة في هذا التعديل الحكومي لم يكن بريئا بالكامل من منطق التوازنات داخل الأغلبية. فالتوزيع المتكافئ لهذه المناصب بين أحزاب الأغلبية عزّز الانطباع بأن الأمر يتعلق، جزئيا على الأقل، بترضيات حزبية أكثر منه بخيار مؤسساتي مبني على النجاعة وتقييم الحاجيات الفعلية للقطاعات.
وبينما تتزايد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، يعود النقاش حول كلفة هذه المناصب على المال العام إلى الواجهة. فحين يغيب الأثر، ويظل الأداء باهتا أو محصورا في الهامش، تتحول كتابة الدولة من أداة دعم للتنفيذ إلى عبء إضافي يثقل صورة العمل الحكومي ويعمّق فجوة الثقة مع المواطن، الذي لا يرى في نهاية المطاف سوى نتائج محدودة مقابل كلفة سياسية ومالية مرتفعة.







