في الوقت الذي كان يعوّل فيه المكتب الشريف للفوسفاط على إثيوبيا كإحدى ركائز تمدده الاستراتيجي في شرق إفريقيا، يجد مشروعه الصناعي هناك نفسه اليوم أمام تعثر واضح يفتح الباب أمام منافسة إفريقية شرسة، تقودها مجموعة دانغوتي النيجيرية، التي تتحرك بوتيرة أسرع لاقتناص موقع متقدم في أحد أكبر الأسواق الزراعية بالقارة.
فبعد نحو عقد على الإعلان عن إحداث مركب صناعي ضخم بمدينة ديري داوا، ما زالت استثمارات “OCP” تراوح مكانها، في ظل تأخر تنزيل المشروع وتراكم إكراهات إدارية وتقنية، إلى جانب تعقيدات مرتبطة بتأمين مصادر الطاقة وتغير أولويات الشريك الإثيوبي. هذا البطء، الذي كان يُقدَّم في مرحلة سابقة كجزء من رؤية بعيدة المدى، بات يُنظر إليه اليوم كعامل إضعاف في سوق إقليمية تتسم بتسارع القرار وتنامي حدة التنافس.
في المقابل، برزت مجموعة دانغوتي كمنافس مباشر، مع إطلاق مشروع صناعي بمنطقة غودي، حظي بمواكبة سياسية واضحة من الحكومة الإثيوبية، واعتمد منذ انطلاقه على مقاربة مختلفة تقوم على الاندماج المباشر مع الموارد الطاقية المحلية، خاصة الغاز الطبيعي، بما يضمن استقرار كلفة الإنتاج وقدرة تنافسية أكبر في سوق الأسمدة.
وتشير المعطيات إلى أن التحول الذي أقدمت عليه السلطات الإثيوبية في صفقاتها العمومية، بالانتقال من الأسمدة المصممة حسب الخصوصيات الزراعية المحلية إلى منتجات قياسية أقل كلفة، شكّل ضربة إضافية للاستراتيجية التي تبناها “OCP”. هذا التحول أفضى إلى خروج المجموعة المغربية من دائرة التنافس في عدد من الطلبيات الكبرى، مقابل صعود موردين آخرين، من بينهم فاعلون أفارقة وآسيويون.
ويرتبط هذا التحول، وفق مصادر مطلعة، بعامل الطاقة أكثر من أي اعتبار آخر. فرغم التقدم المسجل على مستوى إنتاج الكهرباء بعد تشغيل سد النهضة، ما تزال معضلة الغاز الطبيعي قائمة باعتباره عنصرًا حاسمًا في صناعة الأمونياك واليوريا. وبينما ظل رهان “OCP” معلقًا على مشاريع غازية لم تكتمل، اختارت مجموعة دانغوتي حسم هذا المعطى ضمن نموذجها الصناعي، مستفيدة من خبرتها الإقليمية في الربط بين الصناعة والطاقة.
ولا يُنظر إلى إثيوبيا في هذا السياق كسوق تقليدية فحسب، بل كمنصة استراتيجية لشرق إفريقيا، تسعى أديس أبابا إلى تحويلها إلى قطب صناعي وزراعي إقليمي. ومن ثم، فإن تعثر الحضور المغربي لا يقتصر على خسارة فرص تجارية آنية، بل يطرح مخاطر فقدان موقع متقدم في منطقة تشهد سباقًا متسارعًا بين فاعلين أفارقة ودوليين.
وأمام هذا الوضع، يجد المكتب الشريف للفوسفاط نفسه أمام اختبار حقيقي لمرونة استراتيجيته الإفريقية، في ظل متغيرات لا تنتظر المشاريع المؤجلة. فالتحدي المطروح اليوم لم يعد مرتبطًا بقيمة الرهان الإثيوبي في حد ذاته، بقدر ما أصبح مرتبطًا بقدرة المجموعة على مراجعة اختياراتها الصناعية، وتسريع قراراتها، والتكيف مع شروط سوق باتت تحكمها المنافسة القارية قبل أي اعتبار آخر.







