لم يكن قرار المحكمة الدستورية القاضي بإسقاط مقتضيات مركزية من قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة إجراءً تقنيا معزولا، بقدر ما شكّل، في نظر مصادر مهنية وسياسية، تصويبا لمسار طبعته منذ بدايته اختلالات بنيوية، عنوانها تغليب منطق السرعة والغلبة العددية على منطق التوافق والإنصات للفاعلين المهنيين والمؤسسات الدستورية.
فالقانون، الذي دافعت عنه الحكومة باعتباره مدخلاً لإعادة هيكلة مؤسسة التنظيم الذاتي للصحافة، شق طريقه داخل البرلمان وسط مناخ مشحون بالاعتراضات، لم تقتصر على فرق المعارضة، بل شملت منظمات مهنية تمثل الصحافيين والناشرين، إضافة إلى مؤسسات دستورية من قبيل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الوطني لحقوق الإنسان.
ورغم هذا الرفض الواسع، تمسكت الأغلبية بتمرير النص بصيغته شبه الأصلية، مع إسقاط جماعي للتعديلات المقترحة، في خطوة فسّرها مهنيون آنذاك باعتبارها إصراراً سياسيا على فرض تصور أحادي لإعادة هندسة المجلس.
قرار المحكمة الدستورية جاء ليكشف، بأثر رجعي، هشاشة هذا المسار. فإسقاط مواد تتعلق بتركيبة المجلس، وبآليات التمثيلية داخل فئة الناشرين، وبالضمانات المرتبطة بالمساطر التأديبية، أعاد النقاش إلى جوهر الإشكال، “هل كان المشروع يستهدف فعلاً تقوية التنظيم الذاتي وتحصينه، أم إعادة توجيهه وفق توازنات جديدة تميل لصالح منطق النفوذ الاقتصادي والضبط الإداري.”
مصادر مهنية تابعت الملف عن كثب ترى أن دلالة قرار المحكمة لا تكمن فقط في عدد المواد التي تم إسقاطها، بل في طبيعتها. فالمقتضيات التي اعتبرتها المحكمة غير دستورية تمسّ صلب مبدأ التعددية والتوازن بين مكونات المهنة، وهو المبدأ الذي يشكل حجر الزاوية في أي نموذج ديمقراطي للتنظيم الذاتي.
كما أن إسقاط المادة التي تكرّس احتكار منظمة مهنية واحدة لكامل تمثيلية الناشرين عُدّ، وفق قراءات قانونية، رفضًا صريحا لمنطق “الهيمنة التمثيلية” داخل مؤسسة يفترض أن تعكس تنوع القطاع لا ثقله المالي.
وعلى مستوى التأديب، أعاد قرار إسقاط المادة التي تجمع بين الاختصاص الابتدائي والاستئنافي داخل المجلس طرح مسألة الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، حتى في إطار التنظيم الذاتي.
ويرى مختصون في القانون الدستوري أن المحكمة، من خلال هذا التعليل، بعثت برسالة واضحة مفادها أن الاستقلالية المهنية لا تعني التحلل من المبادئ الدستورية، وعلى رأسها الحياد والفصل بين الوظائف.
في المقابل، فإن تثبيت دستورية مقتضيات أخرى، خاصة تلك المتعلقة بالسلطة التقديرية للمشرّع في تحديد المخالفات التأديبية، يعكس حرص المحكمة على عدم الحلول محل البرلمان، والاكتفاء بتقويم الاختلالات التي تمس جوهر الحقوق والمبادئ الدستورية. غير أن هذا التوازن في القرار لا يحجب، بحسب المصادر، حقيقة أن النص كان في حاجة إلى مراجعة أعمق لو تم استحضار الملاحظات المهنية والمؤسساتية منذ المراحل الأولى للنقاش.
الأكثر دلالة أن قرار المحكمة أعاد الملف عمليا إلى نقطة المراجعة، فارضاً على المشرّع إعادة صياغة المقتضيات المسقطة، ومفتحا الباب أمام جولة تشريعية جديدة، في وقت كانت فيه الحكومة تسعى إلى طي الملف بسرعة، خاصة إثر نهاية ولاية اللجنة المؤقتة المكلفة بتسيير شؤون الصحافة. وهو ما يطرح، في نظر المصادر، سؤالاً سياسيا محرجا حول جدوى تمرير قوانين هيكلية دون بناء توافق مهني واسع ومستدام.
في المحصلة، لا يبدو أن المحكمة الدستورية أسقطت مواد متفرقة فقط، بل أسقطت معها منطقا كاملاً في تدبير ملف بالغ الحساسية، يتقاطع فيه الدستوري بالمهني، والسياسي بالحقوقي.
كما أعادت التأكيد على أن تنظيم قطاع الصحافة، باعتباره ركيزة من ركائز البناء الديمقراطي، لا يمكن أن يُدار بمنطق الغلبة أو الحسابات الظرفية، بل بمنطق التوازن، والتعددية، واحترام استقلالية المهنة عن كل أشكال الوصاية، أياً كان مصدرها.







