عاد ملف الإطعام المدرسي إلى الواجهة البرلمانية مع انطلاق الجولات الميدانية للمهمة الاستطلاعية المؤقتة حول واقع المطاعم المدرسية، في خطوة طال انتظارها منذ أولى المطالب البرلمانية التي رفعتها فرق نيابية مطلع 2023، على خلفية شكاوى متكررة من تدهور جودة الوجبات وضعف شروط التخزين والمراقبة داخل عدد من المؤسسات التعليمية، خصوصاً بالعالم القروي.
بعد محطة العيون منتصف يناير الجاري، انتقلت المهمة يوم الأربعاء 21 يناير 2026 إلى إقليم الناظور، حيث زار أعضاؤها عدداً من المطاعم المدرسية والأقسام الداخلية بكل من الناظور والعروي، بحضور المدير الإقليمي لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. الجولة الميدانية تخللتها عروض تقنية حول منظومة الإطعام المدرسي، ونقاشات مغلقة حول معايير التموين وتدبير الصفقات واحترام لوائح الوجبات الأسبوعية المعتمدة مركزياً.
مصادر حضرت بعض هذه اللقاءات أفادت بأن النقاش تجاوز لغة الأرقام والمؤشرات العامة، ليلامس، ولو بشكل محتشم، اختلالات توصف بـ«الهيكلية»، من قبيل ضعف التتبع اليومي للوجبات، وتفاوت كبير في الجودة بين مؤسسة وأخرى داخل الإقليم نفسه، وغياب آليات مراقبة صحية قريبة وفعالة، خاصة في المناطق النائية.
وتحدثت المصادر نفسها عن تساؤلات أثيرت داخل الاجتماعات حول قدرة بعض المتعهدين المحليين على احترام دفاتر التحملات في ظل ميزانيات محدودة وضغط الأعداد المتزايدة من المستفيدين.
وتأتي هذه الجولة بعد مسار متعثر للمهمة، التي قبل طلب إحداثها رسمياً في ماي 2025، بعد أكثر من عامين على أول مبادرة برلمانية في هذا الاتجاه. التأخير، الذي فُسر آنذاك بتزاحم الأجندات التشريعية واقتراب نهاية السنة الدراسية، دفع عدداً من المتابعين إلى التشكيك منذ البداية في توقيت المهمة ومدى قدرتها على التقاط الاختلالات في لحظتها الفعلية، بدل الاكتفاء بتشخيص مؤجل لواقع متحرك.
في السياق ذاته، لا يخفي بعض النواب حذراً واضحاً إزاء مآلات هذا المسار. مصادر برلمانية تحدثت عن «تخوف مشروع» من أن ينتهي التقرير المرتقب إلى توصيات عامة سبق أن وردت في تقارير مماثلة حول الداخليات والأحياء الجامعية، دون أن تترجم إلى إجراءات تنظيمية أو محاسبات واضحة.
وتضيف المصادر نفسها أن اعتماد المهمة بشكل شبه كامل على معطيات تقدمها الإدارات الجهوية والإقليمية يطرح إشكال استقلالية التقييم، ويحد من هامش النقد الصريح، في ملف ظل لسنوات محاطاً بحساسية إدارية ومالية.
في المقابل، تؤكد رئاسة المهمة أن العمل يسير وفق برنامج مضبوط يشمل ثلاث جهات أساسية، مع برمجة لقاءات لاحقة مع مسؤولين مركزيين وجمعيات آباء وأمهات التلاميذ، بهدف إعداد تقرير شامل يرفع إلى مكتب مجلس النواب في نهاية الدورة. وتراهن الرئاسة، وفق مقربين منها، على أن المعاينات الميدانية المتتالية ستسمح بتكوين صورة دقيقة عن واقع الإطعام المدرسي، بعيداً عن المؤشرات الورقية.
ويجاوز الرهان اليوم الأرقام الرسمية التي أعلنت بداية الموسم الدراسي الحالي عن استفادة أزيد من 80 ألف تلميذ من خدمات المطاعم المدرسية وأكثر من 216 ألفاً من الإيواء بالأقسام الداخلية. فبالنسبة لفاعلين تربويين، لم يعد النقاش محصوراً في توسيع التغطية، بل في جودة ما يقدم داخل هذه المطابخ، ومدى احترام شروط السلامة الصحية، وتأثير التغذية المدرسية على صحة التلاميذ وتحسين مردوديتهم الدراسية.
وبين التفاؤل الحذر الذي تعكسه البلاغات الرسمية، والتشكيك الضمني الذي يسود في الكواليس البرلمانية والتربوية، يبقى السؤال معلقاً حول ما إذا كانت هذه المهمة ستنجح فعلاً في كسر صمت مطابخ المدارس، والانتقال من تشخيص تقني إلى مساءلة واضحة ومقترحات قابلة للتنفيذ، أم أنها ستنضم إلى سلسلة تقارير وُصفت في وقت سابق بأنها «رصينة في الصياغة، محدودة في الأثر»، في ملف يمس يومياً حياة آلاف التلاميذ في القرى والمدن.







