تضع الفيضانات الأخيرة التي شهدها حوض اللوكوس منظومة تدبير السدود بالمغرب تحت مجهر المساءلة التقنية والتدبيرية، إذ يعد تدبير هذه المنشآت المائية إبان الأزمات من أعقد المهام الهيدروليكية على الإطلاق؛ فهي محكومة بمعادلة صعبة تسعى للموازنة بين حماية جسم السد من خطر الانهيار أو التضرر من جهة، وتأمين أرواح وممتلكات الساكنة القاطنة في السافلة (zones aval) من جهة أخرى. ومع الأحداث الأخيرة التي عاشتها المنطقة، يطرح التساؤل بحدة حول مدى نجاعة عمليات “كسر حدة الفيضان” (Écrêtement) ومستوى الشفافية في التواصل مع الرأي العام، خاصة وأن العلم خلف تدبير الأزمات المائية يؤكد أن الهدف الأسمى ليس هو تخزين كل قطرة ماء، بل تحقيق تنزيل حقيقي لذروة فيضان الوادي عند ولوجه حقينة السد، وهو ما يصطلح عليه ب “كسر حدة الفيضان”، عبر تخفيض صبيب التدفق وتوزيعه زمنياً للتحكم في قوته التدميرية.
إن أي تأخر في عملية “التفريغ الاستباقي” للحقينة، أو اللجوء إلى تفريغ فجائي لتدارك الموقف، قد يحول السد من أداة حماية استراتيجية إلى عامل يفاقم الكارثة ويضاعف من حجم الخسائر، وهنا تبرز أهمية التكامل بين الكفاءة التقنية والتواصل المسؤول؛ ففي زمن الأزمات، يصبح التواصل الأزموي (Communication de crise) حاسماً بقدر حسم القرارات الهيدروليكية، إذ إن غياب المعلومة الرسمية الدقيقة والآنية يفتح الباب على مصراعيه لانتشار الإشاعات وفقدان الثقة المؤسساتية، مما يؤدي إلى إرباك عمليات الإجلاء وتعقيد مهام الحماية المدنية، فضلاً عن تضخيم الأضرار النفسية لدى الساكنة التي تجد نفسها وجهاً لوجه أمام تهديد المياه في ظل صمت رسمي مريب.
هذا السيناريو هو ما عاشه سد “وادي المخازن” منذ دجنبر 2025، حيث شهد نقاشاً واسعاً أعقب الفيضانات التي طالت مدينة القصر الكبير ونواحيها، وهي نقاشات لا تهدف إلى الاتهام بقدر ما تروم طلب التوضيح والشفافية: هل تم استغلال “كسر حدة الفيضان” في التوقيت المناسب وبالطريقة العلمية المثلى؟ وهل ساهم نمط التفريغ المعتمد في تخفيف وطأة الفيضانات أم كان سبباً في زيادة حدتها؟ إن الإجابة عن هذه التساؤلات تفرض نفسها كحق أصيل للرأي العام، كما تفتح الباب لمساءلة المشاريع الاستراتيجية العالقة، وعلى رأسها مشروع تحويل المياه نحو سد “خروفة”؛ ذلك الحل الذي كان من شأنه تخفيف الضغط الهيدروليكي عن وادي المخازن، لكنه ظل مشروعاً متعثراً تتقاذفه التساؤلات حول طبيعة العوائق التي تقف في طريقه، أهي تقنية تقع على عاتق وزارة التجهيز، أم مالية مرتبطة برئاسة الحكومة، أم إدارية صرفة؟
إن تدبير السدود مسؤولية وطنية جسيمة تتقاسمها الأطراف التقنية والسياسية والإعلامية على حد سواء، وفي وقت الأزمات، تظل المعلومة الخاطئة أو المتأخرة أخطر من الفيضان نفسه، لذا فإن المطلوب اليوم يتجاوز مجرد احتواء الأزمة إلى إجراء تقييم شفاف وشامل لتدبير سد “وادي المخازن”، مع ضرورة الحسم في المشاريع الهيكلية العالقة، لأن حماية الأرواح والممتلكات لا تقبل التأجيل ولا تخضع لمنطق الترضيات الإدارية، بل لصرامة العلم ووضوح المسؤولية.
بقلم: عادل أربعي
مهندس دولة متخصص في هندسة المياه والبيئة







