تتجه الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية إلى إقرار تحول نوعي في مسار الحصول على رخصة السياقة، عبر اعتماد إطار قانوني جديد يفصل بشكل صارم بين الامتحان النظري والتكوين التطبيقي، ويؤسس لمنظومة رقمية متكاملة لتدبير مختلف المساطر المرتبطة بمدارس تعليم السياقة والمترشحين.
وتشير المعطيات المتوفرة، إلى أن المشروع الذي يُرتقب عرضه في اجتماع حاسم بين المدير العام لـ«نارسا» وممثلي مهنيي تعليم السياقة، يقوم على مبدأ إلزام المترشح بالنجاح المسبق في امتحان «قانون السير» قبل السماح له بولوج حصص التدريب العملي. أي أن الجلوس خلف المقود لن يكون ممكنا إلا بعد إثبات استيعاب القواعد المنظمة لحركة السير، في خطوة توصف بأنها إعادة ترتيب جذرية لأولويات التكوين.
وبحسب مصادر مهنية، فإن هذا التوجه يندرج ضمن مراجعة شاملة تستهدف رفع منسوب الشفافية وتقليص هامش التدخل البشري في تدبير الامتحانات، عبر رقمنة مسار المترشح من التسجيل إلى الحصول على الرخصة. المنصة الرقمية المرتقبة، والتي يجري التداول بشأنها تحت مسمى «Teleservice»، ستتيح لأرباب مدارس السياقة إيداع الملفات وطلب المواعيد وتتبع المعالجة الإدارية عن بعد، دون الحاجة إلى التنقل نحو المديريات الجهوية أو مراكز تسجيل السيارات، وهو معطى له أهمية خاصة بالنسبة للمؤسسات العاملة في مناطق تبعد عشرات الكيلومترات عن المراكز الإدارية.
النقاش التقني، وفق المعطيات نفسها، لا يزال مفتوحا حول تفاصيل حاسمة، من قبيل مدة صلاحية النجاح في الامتحان النظري، وما إذا كانت ستحدد في ستة أشهر أو سنة كاملة، إضافة إلى عدد المحاولات المسموح بها لاجتياز الاختبار التطبيقي. هذه العناصر ينتظر أن تُحسم بتوافق بين الإدارة والهيئات المهنية، قبل إخراج الصيغة النهائية للنظام الجديد.
الإصلاح المرتقب لا يقتصر على الجانب الإجرائي، بل يراهن على أثر مباشر في مؤشرات السلامة الطرقية. ففصل المسارين النظري والعملي يستند، وفق المصادر، إلى مقاربة بيداغوجية تعتبر أن الإلمام المسبق بقانون السير يحد من السلوكيات الخطرة خلال فترة التدريب، ويؤسس لثقافة مرورية أكثر انضباطا.
وكانت معطيات رسمية سابقة قد ربطت نسبة مهمة من حوادث السير بعوامل بشرية، من بينها ضعف استيعاب القواعد أو عدم احترامها، وهو ما يفسر تشديد «نارسا» على أولوية التكوين المعرفي.
في السياق، أوضحت مصادر مطلعة أن جزءا من هذه المستجدات يستلهم تجارب أوروبية تعتمد الفصل الزمني والمؤسساتي بين الاختبارين. ففي فرنسا، على سبيل المثال، يُشترط النجاح في اختبار «كود الطريق» قبل الشروع في التدريب العملي، مع تحديد مدة صلاحية لهذا النجاح، بينما تعتمد إسبانيا بدورها مسارا رقميا متكاملا لتدبير المواعيد وتتبع الملفات، ما قلص آجال الانتظار ورفع مستوى تتبع الحصص التكوينية.
كما أن دولا مثل ألمانيا وهولندا عززت في السنوات الأخيرة آليات المراقبة الرقمية للحصص التطبيقية للحد من أي تلاعب محتمل في دفاتر التكوين.
في المنحى نفسه، يؤكد مهنيون أن رقمنة المساطر ستضع حدا لما كان يثار حول إشكالات مرتبطة بالملفات الورقية وتتبع الحصص، إذ ستصبح كل المعطيات مؤرشفة رقميا وقابلة للمراقبة الفورية. ويرى هؤلاء أن نجاح الورش سيظل رهينا بمدى جاهزية البنية التحتية الرقمية، وتوفير مواكبة تقنية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة حتى لا تتحول الرقمنة إلى عبء إضافي بدل أن تكون أداة للتيسير.
وتؤكد المصادر أنه إذا ما تم اعتماد الصيغة النهائية للمشروع في الأسابيع المقبلة، فإن المغرب سيكون أمام مرحلة جديدة في تدبير رخص السياقة، عنوانها تشديد الشروط القبلية للتكوين، وتعزيز الرقابة الرقمية، والاقتراب أكثر من النماذج الدولية التي تعتبر أن تكوين السائق يبدأ من الفهم النظري الصارم قبل الممارسة الميدانية.







