قبل أربع سنوات، وتحديدا في فاتح فبراير 2022، سقط الطفل ريان أورام في بئر تقليدية بدوار إغران، إقليم شفشاون، ليعلق على عمق 32 متراً تحت الأرض. خمسة أيام من الحفر المتواصل، وست جرافات، وخبراء في الطبوغرافيا والهندسة، وأنابيب أوكسجين وماء، وحشود تابعت المشهد على مدار الساعة. مساء 5 فبراير، انتهى سباق الزمن بإعلان وفاته، لتتحول القرية الصغيرة إلى رمز لفاجعة إنسانية هزت المغرب والعالم.
غير أن الصدمة لم تقف عند حدود التعاطف. مباشرة بعد الحادث، ارتفع النقاش حول انتشار الآبار التقليدية غير المؤمنة، والثقوب المائية المهجورة، خصوصاً في العالم القروي. فاعلون جمعويون دعوا إلى ردمها أو تسييجها، وخبراء قانونيون ذكّروا بوجود ترسانة قانونية، على رأسها القانون 36.15 المتعلق بالماء، الذي يشترط الحصول على تراخيص من السلطات المختصة ووكالات الأحواض المائية قبل حفر أي بئر.
في 7 فبراير 2022، بدأت تتواتر تقارير عن تعليمات صادرة عن مصالح وزارة الداخلية إلى العمال والولاة من أجل إحصاء الآبار المهجورة والقريبة من التجمعات السكانية، والشروع في هدمها أو إغلاقها. عقدت اجتماعات أمنية بعدد من الأقاليم، من بينها تنغير، وجرى التشديد على عدم التساهل مع أي عملية حفر بدون ترخيص، وتفعيل المساطر القانونية في حق المخالفين. في تلك اللحظة، بدا أن فاجعة إغران قد فتحت ورشاً وطنياً لتأمين الآبار ووضع حد للفوضى.
لكن بعد خمس سنوات، يفرض السؤال نفسه بإلحاح “ماذا تحقق فعلياً”؟.
لا تتوفر إلى اليوم معطيات رسمية منشورة بشكل دوري حول حصيلة الإحصاء الوطني للآبار المهجورة أو عدد الآبار التي جرى ردمها أو تسييجها منذ 2022. في المقابل، تواترت أخبار متفرقة عن حملات محلية لإغلاق ثقوب مائية خطرة، خاصة في محيط الدواوير، غير أن الظاهرة لم تختف.
في غشت 2025، عاد ملف الحفر العشوائي إلى الواجهة من زاوية مختلفة. فقد حذر المرصد المغربي لحماية المستهلك ضمن بيان، من تنامي عمليات حفر الآبار بواسطة “الصوندات” في عدد من المناطق، خاصة بجهة مراكش-آسفي، في ظل توالي سنوات الجفاف.
البيان تحدث عن استنزاف خطير للمياه الجوفية، وطالب بتفعيل صارم للقانون 36.15، مع فرض غرامات ثقيلة على المنقبين بدون ترخيص، بل واللجوء إلى مقتضيات القانون الجنائي في مواجهة الأفعال التي تهدد الأمن البيئي.
الأخطر أن تقارير ميدانية أشارت إلى تفشي نفوذ شبكات تنشط في حفر الآبار خارج الضوابط القانونية، وتورط منتخبين ورجال سلطة في خروقات مرتبطة بالأثقاب المائية. كما سُجل استغلال بعض المبادرات “الخيرية” لحفر آبار دون تراخيص، في غياب مراقبة فعالة، ما أعاد إلى الواجهة إشكالية الرقابة الميدانية وتنسيق السلطات المحلية مع وكالات الأحواض المائية.
عملياً، يميز المتتبعون بين مستويين من الإشكال. الأول يتعلق بالآبار القديمة والمهجورة التي تشكل خطراً مباشراً على السلامة الجسدية، كما كان الحال في فاجعة ريان، والثاني يرتبط بالحفر العشوائي الجديد الذي يهدد الفرشات المائية ويطرح تحديات بيئية واقتصادية. وإذا كان التعهد سنة 2022 ركز أساساً على إغلاق الثقوب الخطرة القريبة من الساكنة، فإن السنوات اللاحقة أبرزت أن الظاهرة أوسع، وتمتد إلى اختلالات في منح التراخيص والمراقبة.
القانون واضح من حيث المبدأ، أي حفر لبئر يستوجب ترخيصاً مسبقاً، والسلطات المحلية تملك صلاحية تحرير محاضر وإحالة المخالفين على النيابة العامة. غير أن الواقع، خاصة في فترات الجفاف وندرة المياه، كشف عن تجاوزات “بقصد أو بغير قصد”، كما وصفها أحد الخبراء القانونيين سنة الحادث. الضغط على الموارد المائية يدفع بعض الفلاحين والأفراد إلى المجازفة بالحفر دون انتظار المساطر الإدارية، فيما تبقى آليات الردع متفاوتة من إقليم إلى آخر.
خمس سنوات بعد أن توحد المغاربة حول حفرة في إغران، تبدو الحصيلة مركبة. هناك وعي أكبر بخطورة الآبار غير المؤمنة، وحملات متفرقة للإغلاق والتسييج، ونقاش متجدد حول الأمن المائي. لكن استمرار التحذيرات من الحفر العشوائي، وغياب أرقام دقيقة وشفافة حول ما أُنجز، يطرحان تساؤلات حول استدامة الجهد الذي أُعلن عنه تحت ضغط الفاجعة.
ذكرى ريان ليست مجرد استعادة لمأساة طفل سقط في بئر، بل اختبار لمدى قدرة السياسات العمومية على الانتقال من رد الفعل إلى الوقاية. بين صور الجرافات التي اشتغلت لخمسة أيام في فبراير 2022، والتحذيرات من “الصوندات” غير القانونية في 2026، تظل المسافة قائمة بين الوعد والتنفيذ، وبين التعاطف الجماعي وإصلاح الخلل البنيوي.







