كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” في تحقيق موسّع نُشر في 3 مارس 2026، أن قرار الولايات المتحدة خوض حرب واسعة ضد إيران لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة مسار تصاعدي من التخطيط والتنسيق الوثيق مع إسرائيل، قاده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدفع قوي من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
اجتماع حاسم في البيت الأبيض
بحسب التحقيق، دخل نتنياهو إلى المكتب البيضاوي في 11 فبراير الماضي عازماً على ضمان عدم انحراف الإدارة الأمريكية عن خيار المواجهة العسكرية، في وقت كانت فيه واشنطن تخوض محادثات غير مباشرة مع طهران بشأن برنامجها النووي.
وخلال اجتماع استمر نحو ثلاث ساعات، ناقش الطرفان احتمالات الحرب وتواريخ محتملة لشن هجوم، إلى جانب فرص التوصل إلى اتفاق دبلوماسي — وإن بدت ضئيلة. وبعد أيام، عبّر ترامب علناً عن تشككه في جدوى التفاوض، معتبراً أن سنوات الحوار مع إيران لم تكن سوى “حديث بلا نهاية”، ولمّح إلى أن تغيير النظام قد يكون “أفضل ما يمكن أن يحدث”.
مناورات دبلوماسية أم تمهيد للحرب؟
رغم استمرار قنوات التفاوض عبر مبعوثين أمريكيين، بينهم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، تشير الصحيفة إلى أن المحادثات وفّرت في الواقع غطاء زمنياً لاستكمال أكبر حشد عسكري أمريكي في الشرق الأوسط منذ سنوات. ففي منتصف فبراير، كانت وزارة الدفاع الأمريكية قد نشرت حاملتي طائرات وعززت وجودها بمقاتلات وقاذفات ومنظومات دفاع جوي، استعداداً لحملة قد تمتد لأسابيع.
وتنقل الصحيفة عن مصادر مطلعة أن ترامب بات مقتنعاً بأن إيران لن تقبل بشرط “صفر تخصيب” لليورانيوم، وهو المطلب الذي تمسكت به واشنطن، بينما قدم الإيرانيون مقترحاً بسبع صفحات تضمن نسب تخصيب مستقبلية اعتبرها الأمريكيون غير مقبولة.
انقسام محدود داخل الإدارة
ورغم تحذيرات رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين من مخاطر الخسائر البشرية وتداعيات إقليمية واسعة، فإن المعارضة داخل الدائرة الضيقة للرئيس كانت محدودة. حتى نائب الرئيس جي دي فانس، المعروف بتشككه في التدخلات العسكرية الخارجية، رأى — وفقاً للمصادر — أنه إذا تقرر ضرب إيران “فيجب أن يكون الهجوم واسعاً وسريعاً”.
في المقابل، أبدى بعض الديمقراطيين في الكونغرس امتعاضهم مما اعتبروه انجراراً وراء الرؤية الإسرائيلية، مشيرين إلى أن الحشد العسكري الأمريكي ذاته قد يدفع طهران إلى الرد، بما يخلق مبرراً دائرياً للحرب.
“عملية الغضب الملحمي”
التحول الحاسم جاء بعد ما وصفه التحقيق بـ”الإنجاز الاستخباراتي الكبير”، حين تمكنت وكالة الاستخبارات المركزية من تحديد موقع المرشد الأعلى الإيراني خلال اجتماع لكبار القادة في طهران صباح السبت. وبناءً على هذه المعطيات، تقرر تنفيذ ضربة “قطع الرأس” بالتنسيق مع إسرائيل.
وخلال رحلة رئاسية إلى تكساس، أعطى ترامب الضوء الأخضر النهائي للعملية، قائلاً بحسب التحقيق: “تمت الموافقة على العملية. لا إلغاء”.
الهجوم المشترك أدى إلى مقتل المرشد الأعلى، واستهداف منشآت نووية ومقار أمنية ومبانٍ مدنية، ما أدخل إيران في حالة من الفوضى وأطلق موجة تصعيد إقليمي. وأقرّ ترامب لاحقاً بأن عدد القتلى الأمريكيين بلغ ستة جنود في الأيام الأولى، مع احتمال ارتفاع الحصيلة.
انتصار سياسي لنتنياهو
يخلص التحقيق إلى أن القرار الأمريكي شكّل انتصاراً استراتيجياً لنتنياهو، الذي كان يدفع منذ أشهر باتجاه توجيه ضربة للنظام الإيراني، معتبراً أنه في أضعف حالاته. ففي لقاء جمعه بترامب في منتجع مارالاغو في ديسمبر، طلب نتنياهو دعماً لضرب مواقع الصواريخ الإيرانية، قبل أن يحصل لاحقاً على ما هو أبعد: شراكة أمريكية كاملة في حرب تستهدف إسقاط القيادة الإيرانية.
دبلوماسية اللحظة الأخيرة
ورغم جولة أخيرة من المفاوضات في جنيف مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، انتهت المحادثات دون اتفاق. وأبلغ المفاوضون الأمريكيون الرئيس بأن فرص التوصل إلى تسوية باتت شبه معدومة.
ونقل التحقيق عن ترامب قوله في مقابلة لاحقة إنه حاول إعطاء الدبلوماسية فرصتها، لكنه خلص في النهاية إلى أن الإيرانيين “لن يصلوا إلى ما نريده”، مضيفاً: “قلت لنفسي: لنفعلها”.







