مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر المقبل، بدأ النقاش يتسلل مبكرا إلى الفضاء الجامعي ودوائر الشباب الذين سيجدون أنفسهم لأول مرة أمام صندوق الاقتراع في خريف 2026. فداخل مدرجات الجامعات وفي مجموعات شبيبية على “السوشيال ميديا”، بدأ يتشكل نقاش خافت لكنه دالّ حول معنى المشاركة السياسية وحدود تأثيرها، في وقت تحاول فيه الأحزاب السياسية قراءة مزاج جيل جديد يختلف في أدواته وانتظاراته عن الأجيال التي سبقته.
هذه الفئة، التي يطلق عليها في الأدبيات السياسية والإعلامية “الناخبون الجدد”، تمثل كتلة انتخابية محتملة قد يكون لها وزن في موازين الاستحقاقات المقبلة، ليس فقط بحكم حجمها العددي داخل الهرم الديمغرافي المغربي، بل أيضاً بسبب طبيعة علاقتها الخاصة بالسياسة، علاقة يتداخل فيها الاهتمام بالشأن العام مع قدر غير قليل من الشك والتوجس.
في محيط كليات الحقوق والاقتصاد بالرباط، لا يبدو الحديث عن الانتخابات المقبلة أولوية يومية للطلبة، غير أن النقاش يطفو كلما طُرح سؤال المشاركة. يقول أمين، طالب في الاقتصاد يبلغ من العمر 21 سنة، إنه يعتزم التصويت لأول مرة، لكن من دون حماسة حزبية تقليدية.
ويضيف في حديث مع نيشان أن جيله “لم يعد يثق في الخطابات الرنانة”، مشيرا إلى أن ما يبحث عنه الشباب اليوم هو برامج واضحة وقابلة للتقييم، لا مجرد وعود انتخابية فضفاضة. بالنسبة إليه، فإن المشاركة في التصويت قد تكون وسيلة لقطع الطريق على إعادة إنتاج نفس الوجوه السياسية التي ظلت حاضرة في المشهد لسنوات طويلة.
في المقابل، تبدو سارة، طالبة هندسة في التاسعة عشرة من عمرها، أكثر تشككاً في جدوى العملية برمتها. تقول إن الإشكال، في نظرها، لا يتعلق بفكرة التصويت نفسها بقدر ما يرتبط بطبيعة العرض السياسي المعروض على الشباب.
وتضيف أن الأحزاب تتذكر هذه الفئة غالباً خلال الحملات الانتخابية فقط، عندما تحتاج إلى ملء القاعات أو تعزيز الحضور الميداني، بينما تظل قضاياهم المرتبطة بالتعليم وفرص الشغل والهجرة المهنية خارج النقاش الجدي.
هذا التردد بين الرغبة في التأثير والشك في جدوى المشاركة لا يبدو معزولاً عن سياق أوسع طبع علاقة الشباب بالسياسة خلال السنوات الأخيرة. تقارير حقوقية وأكاديمية عدة حذرت في مناسبات سابقة من اتساع الفجوة بين هذه الفئة والمؤسسات المنتخبة.
في هذا السياق، أشار تقرير أصدرته «العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان» في غشت الماضي تحت عنوان «وضعية حقوق الشباب في المغرب» إلى أن نسبة الشباب المسجلين في اللوائح الانتخابية عرفت تراجعا ملحوظا خلال العقد الأخير؛ إذ كانت في حدود 30 في المائة من مجموع الهيئة الناخبة سنة 2011، قبل أن تتراجع تدريجياً في السنوات اللاحقة إلى مستويات أدنى.
كما سجل التقرير ذاته ضعف حضور الشباب داخل المؤسسات المنتخبة وقيادات الأحزاب السياسية، وهو ما يطرح تساؤلات متزايدة حول مدى اندماج هذه الفئة فعلياً في الحياة السياسية ومشاركتها في صناعة القرار العمومي.
هذه المؤشرات تجعل من استحقاقات “23 شتنبر المقبل” اختبارا حقيقيا لقدرة الأحزاب على مخاطبة جيل مختلف في لغته وانتظاراته. عمر، وهو ناشط في إحدى الشبيبات الحزبية المنتمية للأغلبية الحكومية، يرى أن الرهان الأساسي اليوم يتمثل في تجديد أدوات التواصل السياسي.
ويقول إن الأحزاب أصبحت تدرك أن جيل الناخبين الجدد يتعامل مع السياسة من خلال المنصات الرقمية أكثر مما يتابعها عبر القنوات التقليدية، مشيراً إلى أن جزءاً من العمل الحزبي الجاري حالياً يركز على تطوير خطاب يلامس قضايا الاقتصاد الرقمي والحريات الفردية وفرص الابتكار.
غير أن هذا التفاؤل الحزبي يصطدم بقراءات أكاديمية أكثر حذراً. فعدد من الباحثين في العلوم السياسية يرون أن أزمة المشاركة لدى الشباب لا ترتبط فقط بطريقة التواصل، بل أيضاً بعمق الثقة في المؤسسات المنتخبة نفسها.
ويشير باحثون إلى أن العزوف الانتخابي الذي طبع محطات سابقة في المغرب يعكس إحساساً متنامياً لدى جزء من الشباب بأن نتائج الانتخابات لا تنعكس بالضرورة على أوضاعهم المعيشية، سواء في ما يتعلق بالتشغيل أو جودة الخدمات الأساسية.
وترى المصادر أن العزوف عن العمل الحزبي لا يعني بالضرورة غياب الاهتمام بالشأن العام. فالشباب، بحسب هذه القراءات، يمارسون السياسة بطرق مختلفة، من خلال النقاشات الرقمية، والحملات المدنية، والانخراط في مبادرات مجتمعية، حتى وإن ظلوا مترددين في الالتحاق بالتنظيمات الحزبية التقليدية التي يعتبرونها في كثير من الأحيان بعيدة عن انتظاراتهم.
في هذا السياق، تبدو انتخابات 2026 أكثر من مجرد محطة لتجديد المؤسسات المنتخبة؛ فهي أيضا اختبار لمدى قدرة النظام الحزبي على استيعاب تحولات جيلية عميقة. فالشباب الذين سيضعون أصابعهم في الحبر للمرة الأولى لا ينظرون إلى التصويت بوصفه طقساً سياسياً فحسب، بل كنوع من “التعاقد” غير المعلن مع الفاعلين السياسيين “صوتٌ مقابل نتائج ملموسة في الحياة اليومية'”.







