العلمانية أو فصل الدين عن الدولة، كانت و ما زالت تثير كثيرا من الجدل و تسيل كثير من المداد بين تيارين متعارضين، الأول يمثله تيار “الإسلام السياسي”، الذي يرى أن تبني هذا المفهوم هو مناهضة للدين الإسلامي بل خروج عنه والدين أس الحياة في المجتمعات العربية والإسلامية، لوجود ارتباط وثيق بين النظام الاجتماعي والتصور ألاعتقادي، فالحكم على الشيء هو جزء من تصوره، والنظام الاجتماعي منبثق عن هذا التصور ويتكيف مع ما يقدمه من تفسيرات حول الوجود و مركز الإنسان فيه وغايته.، وهذا ينسجم مع فطرة الإنسان على عكس تفسيرات الفلسفة البشرية البعيدة عن هذا التصور الرباني للكون. فالدين، الذي هو حاجة ملحة لجميع المجتمعات، ليس من طبيعته أن يشرع طريقا يقود إلى فردوس الآخرة و يغفل عن رسم منهج للإنسان في الأرض لتحقيق هذه الغاية، بل يتطرق لأدق تفاصيل حياة الإنسان على وجه البسيطة، و المسلم يمتثل لأوامر الله حيثما كان، داخل المسجد وخارجه. لذا، فمن يحاول الزيغ عن هذا الطريق وإحلال شريعة غير ما ارتضاه الله لعباده يكون قد سلك طريق الضلال ، بل يكون من دعاة الكفر…؟!و الإسلام كل لا يتجزأ مستشهدين بحروب الردة التي خاضها أبو بكر الصديق ضد مانعي الزكاة الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة. في حين يذهب الفريق الثاني”العلماني”إلى الفصل بين المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية وتبقى الدولة، بحيادها، هي الضامنة لحرية الاعتقاد والتدين و عدم فرضها دين معين على المواطنين(الدين لله والوطن للجميع). و قد انبرى مجموعة من المفكرين واللبراليين في العصر الحديث لتناول قضايا الإصلاح في العالم العربي، كحقوق الإنسان وبنية العقل العربي و الشأن الديني… بكثير من الجرأة، من أمثال فؤاد زكرياء و محمد عابد الجابري و محمد أكون وحامد نصر أبو زيد… و بهدف نموذج دولة مدنية حديثة يكون فيها المواطن يمارس حريته وقراراته لا سيما السياسية منها، مستندة على الحقائق و الأدلة وليس على التأثيرات الاعتقادية..، مستدلين بكتاب “الإسلام وأصول الحكم”للعالم الأزهري علي عبد الرازق سنة 1923، ومؤلف فرج فودة “الحقيقة الغائبة”الذي يذهب فيه إلى أن نظام الخلافة الإسلامية لم يستمر سوى لثلاثة عقود مع الخلفاء الراشدين قبل أن ينقلب إلى الملك العضوض ثم الفتنة الكبرى..! و يعزو بعضهم( شاكر النابلسي) إخفاق و عدم تقدم العلمانية إلى الإسلاميين، الذين يحلمون بالدولة الإسلامية، بممارستهم التضليل و تغليط الجماهير للحفاظ على امتيازات المؤسسة الدينية وتأليب صفوف المسلمين لمقاومتها . لذلك تبقى العلمانية ، في نظر مؤيديها ، هي الحل للصراعات الدينية و الطائفية في المنطقة العربية وعودة رجل الدين إلى دوره وحجمه الطبيعي المتعلق بشؤون العقيدة. وإذا كانت هذه وجهة نظر الفريقين؛ فحسب دائرة المعارف البريطانية كلمة العلمانية هي:”حركة اجتماعية تدعو إلى صرف الناس و توجههم من الاهتمام بالآخرة ، إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها، وذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى، رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا، والتأمل في الله واليوم الآخر. وفي مقاومة هذه الرغبة طفقت هذه النظرية (sécularisme)تعرض نفسها، من خلال تنمية النزعة الإنسانية، حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعلقهم الشديد بالإنجازات الثقافية والبشرية وبإمكانية تحقيق مطامحهم في هذه الدنيا القريبة. و حسب معجم أكسفورد فكلمة “secular”تعني دنيوي أو مادي لا ديني ولا روحي و السلطة اللادينية المناقضة للكنيسة . في حين كلمة علمانية و بالفرنسية “sécularité ou laïque”تعني بالنسبة للاتجاه الآخر ما يفهمه الغرب المسيحي من كلمتي الدين والعلم لأنهم في مفهوم الغرب متضادان و متعارضان. وعلى العموم فقد ضل هذا المفهوم يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث، خاصة وأن هذا المفهوم من المصطلحات الواسعة والملتبسة، لأنه لم يقف عند أصله الأول أو جذره اللغوي (علم أو عالم)، بل تطور ليشتبك مع القيم و الأخلاق و أسلوب الحياة. إنها حركة فكرية تجد جذورها في عمق الفكر الإنساني، فماذا عن ظروف نشأت فصل الديني عن الدنيوي؟
لقد جاءت النصرانية كمنهج حياة معدل لبني إسرائيل كباقي الأمم من قبل، لكنهم رفضوا هذا التخفيف الذي منح لهم:”ومصدقا لما بين يدي من التوراة، وأحل لكم بعض الذي حرم عليكم..”آل عمران الآية 50، لكنهم قاوموا الدعوة إلى الطهر والسلام، بل أغروا الحاكم الروماني بالشام آنذاك (بيلاطس) بمحاولة قتل المسيح عليه السلام وصلبه، لولا أن توفاه الله ورفعه إليه. و اضطهدوا أتباع المسيح (الحواريون) حتى تفرقوا وانفصلوا عن اليهود وبالتالي وقعت قطيعة بين اليهودية و النصرانية الوليدة التي لم يعد لها شريعة تنظم حياة أتباعها واختلطت نصوص تعاليم المسيح بروايات كثيرة لا تسمح بالتواتر، وتمت كتابة الإنجيل، حسب العلماء ب 40 و64 سنة بل ذهب البعض (أحمد ديدات ) إلى مائة سنة، حيث اختلفت الروايات بين أكثر من مصادر، متى ومرقص.. و يعتبر بولس هو من كتب الإنجيل مستلهما من تصورات الوثنية الرومانية والفلسفة الإغريقية ونشر النصرانية بأوربا و كان يمني النصارى بالغفران بعد عودة المسيح. لكن دخول قسطنطين في النصرانية سنة 355 ميلادية أصبح الحزب النصراني هو الحاكم في حقبة اتسمت بالظلم والجور ودين جديد تمتزج فيه الوثنية الرومانية و النصرانية ، عكس الديانة الإسلامية التي قضت على دابر الوثنية بشبه الجزيرة العربية. و مابين القرنيين الخامس و السادس للميلاد تجدد الصراع من جديد بين الأقباط المصريين (المنوفسيين) والملكانية حزب الدولة الرومانية بسبب اختلاف الدين والجنس خاصة. وقبل الفتح الإسلامي بحوالي قرن من الزمان، حاول جستنيان توحيد روما لكن دون جدوى، فحاول هرقل من بعده ربط الشام بالحكومة المركزية من خلال تفسير جديد للعقيدة لتهدئة النفوس بين الطوائف المتناحرة و بين الخارجين عن الدين والكنيسة الأرثوذكسية ، و استمر الجدل بين الأرثوذكس و اليعاقبة ببلاد مصر والشام و حتى خارج بيزنطة؛ ولقي هرقل نفس المصير واتهم بالإلحاد من قبل الطائفتين. حققت النصرانية انتصارات كبيرة لكن بعد خلافات سياسية وعنصرية وتحريفات و تعديلات في العقيدة بإقحام عناصر غريبة عن الدين الإلهي، وبرز فساد كبير في التصور الاعتقادي وانتقلت فيها الكنيسة إلى الوقوف في وجه الترف الروماني حيث تحولت القوة والبطش إلى اندحار أخلاقي كبير بسبب انغماس الحكام في الشهوات( الحكم والطعام والجنس…) ،لكن الكنيسة سلكت طريقا غير الفطرة السوية، فظهرت الرهبنة كعنوان على التقوى و الفضيلة، و كانت الظروف الحياتية في تلك الفترة تتأرجح بين الرهبانية القصوى والفجور الأقصى. وهكذا عجز نظام الرهبنة المنبثق عن تصورات كنسية منحرفة عن التصور النصراني الرباني على أن يكون نظاما أخلاقيا للعالم النصراني و خلق في النفوس جفوة للدين و هو منه براء..! مما أدى إلى “الفصام”، وعرفت البابوبة في هذه الظروف انحطاطا أخلاقيا عظيما تجلى في الفجور والدعارة، وكانت الكنيسة التي جعلت نفسها وسيطا بين الله والناس، تبيعهم “صكوك الغفران”و تحلهم من الخطايا والذنوب، ممارسات وصمت تاريخ أوربا المنكود..؟ بلغت سطوة الكنيسة خلال القرن الحادي عشر حد البلاط الملكي حيث لم تشفع لهنري الرابع إلا بعدما خضع لتعليماتها ، ففرضت على الناس الإتاوات المالية و أعطت لنفسها حق تفسير الكتاب المقدس دون غيرها وأدخلت عدة ترهات و معميات في العقيدة لا يدركها أحد، عن المسيح و طبيعته ثم مهزلة العشاء الرباني حيث يتحول الخبز إلى جسم المسيح والخمر إلى دمه، مما أجج الصراع بينها وبين دعاة الإصلاح الديني من أمثال مارتن لوتر وكالفن… الذين ثاروا عليها. وزادت على ذلك إقحام حقائق علمية جغرافية و تاريخية في الكتب المقدسة و التي يمكن دحضها بالتجربة غاية ما وصل إليه العقل و العلم الإنساني في ذلك الزمن. و كان ذلك أكبر جناية في حق العقل والعلم و الدين المختلط بعلم البشر الخالص والزائف كالجغرافية المسيحية..!؟ فأصبحت أوربا لا دينية في ظل هذا الواقع الذي عرف انفجار العقلية الأوربية وانكشاف الحقائق، واستمرت الكنيسة في تهديدها لكل من يجرؤ على تكذيب نظرياتها و أقامت لأجل ذلك محاكم التفتيش، و تقول بعض المصادر أن 300 ألف ممن عوقبوا ومن بينهم 32 ألف أحرقتهم الكنيسة أحياء مثل العالم “برونو”الذي قال بنظرية تعدد العوالم و”جاليليو “ونظريته حول دوران الأرض، حتى قال عالم نصراني:”لا يكون لرجل أن يكون مسيحيا و يموت حتف أنفه”( أي موتتا طبيعية). ونشأت بذلك دولة بوليسية، بفعل نظام الرهبنة الإكليروس، الذي أتى على المسيحية من قواعدها التي كان من شأنها أن تكون موجهة للغرب و حضارته المعاصرة . و استمرت تداعيات تلك المعركة التعيسة و رواسبها وبناء مفهوم جديد للعلمانية من خلال منظري عصر الأنوار كميكيافلي ( كتاب الأمير) الذي أسس للمفهوم الأخلاقي للدولة الحديثة وإمام الفلسفة الحديثة ديكارت، و إضفاء ثوب العلم على نظرية داروين في تفسيره البيولوجي للأديان و أصل الإنسان، وصولا إلى وضع نظريات جديدة في علم الاجتماع من قبل دوركايم وفرويد، كل هذه النظريات أتت على المرجعية الفكرية للمؤسسة الدينية، وأصبح العقل، بفعل ترسب الفلسفة اليونانية، هو المفسر الوحيد لمغزى الكون و وجوده..!
و كان شعار الثورة الفرنسية “اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس”الذي كان يردده الشباب ومنهم ج ج روسو و تم إلغاء قوانين تشجيع الرهبانية ( 1790) و نهاية الإقطاع بأوربا بإعدام الملك لويس السادس عشر وتم الفصل بين الدولة والكنيسة سنة 1905. هذه البذرة الخبيثة انتقلت إلى ديار العرب والمسلمين مع هبوب رياح الاستعمار و أصبحت جزء من تفكير أبناء الشعوب العربية والإسلامية وخاصة مفكريها، كالتركيز على القومية العربية (ساطع الحصري) في ظل تحول كثير من تعاليم الدين إلى تقاليد بالية ، لكن رغم ذلك فالحركات العلمانية بالدول الإسلامية خاصة، والتي تحاول جاهدة نزع الصفة الدينية عن كثير من التشريعات، تواجه في دعواتها بنيات اجتماعية وثقافية وسياسية قوية و متجذرة تناهضها كحالة المغرب( عكس تونس) حيث إمارة المؤمنين تمتلك مرجعية دينية وتاريخية وسياسة من الصعب تجاوزها؛ وهي من حسم الموقف في قضية تعديل مدونة الأسرة بالمغرب. وفي الختام يمكن القول أن كل جهة مشاركة في هذا السجال الفكري والثقافي تحاول دائما الاستناد لكل المسوغات والقرائن لتغليب وجهة نظرها، و حتى يمكن قراءة الموضوع بنوع من الإنصاف، نقول أن الإسلام لا يعرف الكهنوت و ينكر الدولة الدينية أو التيوقراطية، وهو دين الغالبية العربية وثقافة المسلمين و المسيحيين العرب؛ و فهم علاقة الدين بالدولة ينبغي أن تكون من خلال الإسلام في شموليته، بين ما هو ملزم و ما هو توجيهي، فالإلزامية في الإسلام محصورة فيما يأمر به النص القرآني والنصوص النبوية القطعية الدلالة، و هذه دائرة محددة لا تقبل الإضافة إليها إلا من باب القياس و الاجتهاد، أما التوجيهي فيمثل الدائرة الأوسع للإسلام، بغير تفصيل في النصوص الدينية، وتحكمها قيم عامة يتقاسمها الإسلام مع ديانات وشرائع أخرى، كالحرية والمساواة و التوحيد والاختيار و العدالة ومصلحة الجماعة.. هذه الدائرة تتسع حسب الزمان و المكان وتطور المجتمعات، وتسمح للإنسان بالإبداع ( نظريا و تطبيقيا) في السياسة والاقتصاد، فكل دين ومذهب يتفاوت أهله في صدقهم التزامهم وحسن تطبيقهم له، ولو كانت كل المبادئ تأخذ بما يحمله البشر من أخطاء لما صح أي منها على وجه الأرض….فالإسلام عقيدة وشريعة ودين ودنيا، لكن و هذا هو المهم، دقة التفرقة بين الديني و الدنيوي ،”أنتم أعلم بشؤون دنياكم”كما قال المصطفى(ص) عندما سأل في قضية تأبير النخل. فالإسلام فيه شمولي ملزم وتوجيهي اختياري والله أعلم.
عبدالله شخمان
أستاذ باحــث







