أسفرت الجولة الثانية من الانتخابات البلدية في فرنسا لعام 2026، التي جرت الأحد، عن مشهد سياسي متنوع يعكس تحولات واضحة في موازين القوى داخل المدن الكبرى والمتوسطة، وذلك قبل نحو عام واحد من الانتخابات الرئاسية المرتقبة في 2027. وقد حظيت هذه الانتخابات بمتابعة وطنية واسعة، نظرًا لأهمية المدن المتنافس عليها وثقل الشخصيات السياسية المشاركة فيها.
اليسار يحافظ على معاقله الكبرى
نجحت قوى اليسار في الاحتفاظ بإدارة أكبر ثلاث مدن في البلاد: باريس ومارسيليا وليون، رغم منافسة قوية من اليمين واليمين المتطرف. ويُنظر إلى هذا الإنجاز باعتباره مؤشرًا على استمرار نفوذ اليسار داخل المراكز الحضرية الكبرى، بفضل تحالفاته وقدرته على تعبئة الناخبين.
في باريس، تمكن إيمانويل غريغوار من تحقيق فوز مريح متجاوزًا 50% من الأصوات، متفوقًا على منافسته رشيدة داتي. وجاء هذا الفوز بعد سباق انتخابي محتدم، ساهمت فيه تعددية القوائم، إلى جانب استمرار ترشح صوفيا شيكيرو، في تعزيز فرص مرشح اليسار الموحد.
أما في ليون، فقد احتفظ غريغوري دوسيه بمنصبه بفارق ضئيل للغاية أمام جان ميشال أولاس، الذي أعلن عزمه الطعن في النتائج، مشيرًا إلى مخالفات انتخابية. ويعكس هذا التقارب حدة الاستقطاب السياسي في المدينة.
وفي مارسيليا، أعيد انتخاب بنوا بيان بنسبة تفوق 54%، متقدمًا على مرشح اليمين المتطرف فرانك آليزيو، بعد انسحاب سيبستيان دولوغي، ما ساهم في ترجيح كفة الاشتراكيين.
تحولات بارزة في مدن أخرى
شهدت بوردو تحولًا سياسيًا لافتًا، حيث فاز توماس كازنوف برئاسة البلدية، مستعيدًا المدينة من العمدة البيئي بيار هورميك.
وفي نانت، احتفظت جوانا رولان بمنصبها، بينما نجح أرنو ديلاند في تثبيت موقعه في ليل خلفًا لـ مارتين أوبري، بدعم من تحالفات يسارية.
في المقابل، عزز إدوار فيليب موقعه السياسي بإعادة انتخابه في لوهافر، ما يجعله أحد الأسماء البارزة في السباق الرئاسي المقبل.
مفاجآت انتخابية وخسائر ثقيلة
سجلت بو واحدة من أبرز مفاجآت الانتخابات، بخسارة فرانسوا بايرو أمام الاشتراكي جيروم ماربو بفارق ضئيل، في ضربة قوية لمسيرته السياسية.
وفي ميلهاوس، فاز فريديريك ماركيه بدعم من تحالفات وسطية، بينما انتقلت نيم إلى اليسار، في حين شهدت بريست تحولًا معاكسًا نحو اليمين.
تقدم اليمين واليمين المتطرف
في تولون، احتفظت جوزيه ماسي بمنصبها، متفوقة على لور لافاليت، رغم تقدم الأخيرة في الجولة الأولى. كما حافظت ليموج على توجهها اليميني.
في المقابل، حقق دافيد غيرو فوزًا بارزًا في روبيكس، ما يعزز حضور اليسار الراديكالي، بدعم من مانويل بومبارد الذي وصف النتائج بـ”الاختراق”.
أما في نيس، فقد فاز إريك سيؤتي، المتحالف مع حزب “التجمع الوطني”، على كريستيان إستروزي، في تحول لافت لصالح اليمين المتشدد.
كما حقق حزب “التجمع الوطني” فوزًا مهمًا في كاركاسون، ما يعكس استمرار صعود اليمين المتطرف على المستوى المحلي.
خريطة سياسية معقدة قبل 2027
تعكس هذه النتائج خريطة سياسية محلية شديدة التباين في فرنسا، حيث حافظ اليسار على نفوذه في المدن الكبرى، مقابل تقدم ملحوظ لليمين واليمين المتطرف في مدن أخرى. ويشير هذا التوازن إلى مشهد سياسي مفتوح على جميع الاحتمالات، في ظل الاستعداد للانتخابات الرئاسية المرتقبة في أبريل 2027، والتي ستجري في سياق داخلي متقلب وتنافس محتدم بين مختلف التيارات السياسية.







