أي ربح تجنيه دولة ما في تكميم الأفواه وحصار ومحاربة، بل والزج بالأصوات المُزعجة/ المعارضة خلف القطبان؟ وقمع أي تحركات أو احتجاجات تُندد بالفساد، أو بغلاء المعيشة مثلا؟!
في سورة الكهف عبارة جميلة “وما فعلته عن أمري” أجاب بها الخضر سيدنا موسى لتفسير ما بدا لنبي الله أمورا غير منطقية. عبارة تعني: ما فعلته ليس من تلقاء نفسي، وإنما أنا مأمور (من الله) بفعله.
صحاب الحال في هذه البلاد السعيدة مأمورون لقمع ومنع أي أصوات معارضة، ليس بدوافع سياسية خوفا على استقرار النظام/ الدولة! لا يا صديقي، بل لدوافع اقتصادية!كل ما تراه اليوم من غلاء وتثمين لكل شيء، مقابل رُخص وتبخيس للبشر، هو نتيجة لتعليمات صندوق النقد الدولي وباقي المؤسسات المانحة. الدولة تتخارج (تنسحب) ليس فقط من الاقتصاد كفاعل عبر شركاتها ومؤسساتها العمومية، بل تتخلى أيضا عن دور “الضّابط” والمُراقب للحركة الاقتصادية، فتراها تتفرج على التماسيح والشَّناقة والفراقشية وهم يُمَصْمِصُون عظام الشعب، عظمة تلو عظمة دون رحمة ولا شفقة.
أما الذريعة فهي منح القطاع الخاص حرية العمل لخلق مزيد من النمو، ومعه مزيدا من فرص الشغل؛ طبعا لا داعي لشرح تفاهة وسطحية هذا الطرح، ففرص الشغل تتآكل نظرا لطبيعة الاستثمارات المدعومة من الجهات المُقرِضة، والتي تبحث عن الربح (الإنتاجية)، وتعتبر اليد العامة كلفة يجب الحد منها. أما النمو، فيكون مُركزا على شركات وأشخاص محسوبين على رؤوس الأصابع.
هكذا هي المعادلة؛ فساد وتسيُّب وغياب للرقابة والضبط في تدبير أمور الدولة، يقود للحاجة المُتزايدة لسد التقوب وإيقاف النزيف. حاجة تغطيها ظاهريا سلسلة لا تتوقف من القروض الخارجية.
شروط منح تلك الديون ليست فقط فوائد عالية وتخفيض، بل وإلغاء، مساهمات الدولة وأدوارها الاقتصادية والاجتماعية لتوجيه كل مواردها لدفع الأقساط والعمولات، بل كذلك منح الضوء الأخضر للقطاع الخاص ليفترس الوطن والمواطنين، دون أدنى رد فعل من سلطات دورها الأساسي توفير الأمن الجسدي، الاقتصادي والاجتماعي للمواطنين.
تحركات “لخُّوت” تتجاوز “الحياد السلبي” وزرواطة الشوارع، للإقرار وتفعيل تشريعات تُسهل وتحمي الشركات قبل، خلال وبعد عمليات الحصخصة (المصمصة):
☆ إضعاف الأحزاب، النقابات، جمعيات المجتمع المدني وأي تجمع مُحتمل لبشر يُمكن أن يضغطوا فيه ومن خلاله لتغيير السياسات العمومية.
☆ إقرار قانون يمنع الإضراب وآخر يُقلص المعاشات لجمع مزيد من المال للسّادة الدائنين.
☆ مدونة شغل تمنح المزيد من المرونة لأصحاب الأعمال وتُسبب المزيد من الهشاشة والشقاء للطبقة العاملة.
☆ قوانين تحمي التماسيح وتُهمش البؤساء.
☆ إقبـ.ار قانون من أين لك هذا؟
☆ منع جمعيات المجتمع المدني من الإبلاغ عن اللـ.صوص.
☆ مسطرة مدنية تمنح العدالة لمن له أكبر حساب بنكي، ومسطرة جنائية تُعاقب المُبلغين…وغيرهم الكثير الكثير!!
هكذا، يتحالف التَّسيب والريع الداخليان مع الهيمنة الخارجية لبيع الوطن والمواطن جملة وتفصيلا. أُنهِك اقتصاد بلدك بسبب الفساد؟ ماشي مشكل! بِع هذه وتخارج من هاته، وانقص المصاريف من هنا وهنا، وخلّي الخواص يخدمو على خاطرهم. وباش الخطة ما تفشل؛ زْمط لي بنادم والدبانة ما تحرك!
في الطريق السريع نحو وطن كلشي فيه مكتوب باسم المُواتن، وحتى حاجة ما ديالوا! كما تنبأ العظيم المهدي المنجرة رحمة الله عليه.







