بينما كانت ردهات المقرات الحزبية في الرباط والدار البيضاء تعجّ بصمت الترقب، خرج الدخان الأبيض من كواليس “البيت اليساري” المشتت، حاملاً ملامح ما بات يُوصف بـ”تحالف الضرورة” الذي فرضته رهانات انتخابات شتنبر 2026؛ إذ تفيد معطيات متقاطعة من داخل الحزب الاشتراكي الموحد وحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي بأن “رفاق الأمس” حسموا، بعد شدّ وجذب طويل، خيار دفن الخلافات التنظيمية وخوض الاستحقاقات المقبلة بقرارات موحدة وكتلة انتخابية أكثر تماسكا، في محاولة لترميم ما تصدّع منذ زلزال 2021.
هذا التقارب، الذي تبلور عبر لقاءات مغلقة طيلة شهر مارس، لم يكن وليد “نزعة وحدوية” عاطفية بقدر ما جاء استجابة لبراغماتية سياسية قاسية؛ إذ أدركت القيادات، وفق مصادر مطلعة، أن استمرار التشتت لم يعد خياراً، وأنه يترجم عملياً إلى إهدار ما تبقى من رصيد انتخابي أمام قوة أحزاب الأغلبية واتساع نفوذ الأعيان داخل الدوائر الكبرى.
وفي هذا السياق، كشف مصدر قيادي مشارك في المشاورات، أن “النقاش هذه المرة كان صريحا إلى حد غير مسبوق، وتم الاتفاق على تجاوز منطق الهيمنة المتبادل الذي أفشل تجارب سابقة”، مضيفاً في تصريح لـ “نيشان” أن “الهدف لم يعد تسجيل نقط تنظيمية، بل بناء عرض سياسي قابل للحياة انتخابياً”.
مصدر ثانٍ من فيدرالية اليسار لم يُخفِ بدوره حجم الضغط معتبرا أن “القواعد لم تعد تقبل بخطاب التبرير… هناك مزاج عام يعتبر أن أي فشل جديد في التوحد سيكون بمثابة نهاية فعلية لهذا التيار في صورته الحالية”.
وأكدت المصادر أن المشاورات، التي جرت بعيداً عن الأضواء، ركّزت أساسا على تجاوز ما يوصف داخلي بـ”عقدة النرجسية التنظيمية”، حيث تم التوافق مبدئيا على تنسيق واسع في هندسة اللوائح محلياً وجهوياً، في محاولة لإعادة تقديم اليسار كخيار اجتماعي موجه للطبقة الوسطى والكتلة الناخبة المترددة، في ظل تآكل الثقة في الوعود الاقتصادية للحكومة.
غير أن هذا المسار يعيد إلى الواجهة ظلال التجربة السابقة داخل الحزب الاشتراكي الموحد، حين دخلت نبيلة منيب، بصفتها أمينة عامة آنذاك، في واحدة من أعنف “معارك كسر العظام” التنظيمية قبيل انتخابات 2021، وهو ما انتهى بانسحاب عدد من القيادات وتفكك جزء من القاعدة الحزبية. تلك المرحلة، بحسب المصادر، لا تزال تلقي بظلالها على الثقة الداخلية، رغم تغير القيادة اليوم بوصول الأمين العام الجديد جماع العسري، الذي يراهن على “تصفير العداد” وبناء توافقات أقل تصادمية.
وبينما يسوّق البعض هذا التقارب باعتباره “لحظة تاريخية” لإعادة تجميع اليسار، ترجّح تقديرات أكثر حذراً أن يظل نجاحه رهيناً بالقدرة على تدبير “كعكة الترشيحات” دون تفجير التناقضات الكامنة؛ فإما أن يغلب منطق الوحدة، بما يتيح لهذا التيار استعادة موقعه داخل معادلة التأثير، أو تعود حسابات الزعامة لتفرغ الاتفاق من مضمونه وتعيد اليسار إلى هامش المشهد، وفق ما تؤكده المصادر.







