لم يعد الصراع على “وسط المدينة” في الحواضر المغربية الكبرى (الدار البيضاء، مراكش، طنجة) مجرد تنافس عقاري كلاسيكي بين العرض والطلب؛ بل تحول إلى ما يشبه “غزوا رقميا” صامتا تقوده منصات الكراء الدولي (Airbnb، Booking) وغيرها.
هذا التحقيق يكشف كيف تحول “الحق في السكن” إلى “أصل تجاري” للمضاربة، مما أدى إلى نزوح قسري لآلاف الأسر المغربية نحو الهوامش، محولاً مراكز المدن إلى “جزر سياحية” معزولة فاقدة لروحها السوسيو-ثقافية.

الأرقام الصادمة.. “حمى” العائد السريع
تكشف المؤشرات غير الرسمية لمكاتب الدراسات العقارية في المغرب سنة 2026، أن العائد السنوي للشقة الموجهة للكراء السكني التقليدي بوسط الدار البيضاء (المعاريف، أنفا) لا يتعدى 4% إلى 5% من قيمتها الرأسمالية.
في المقابل، يقفز هذا العائد إلى 12% وحتى 15% عند تحويل نفس الوحدة إلى “شقة فندقية” عبر المنصات الرقمية. هذا الفارق الشاسع خلق “مغناطيساً” جذب ليس فقط كبار المنعشين، بل حتى صغار الملاك الذين سحبوا وحداتهم من سوق الكراء السنوي، مما تسبب في انكماش العرض السكني الموجه للموظفين والطبقة المتوسطة بنسبة تقدر بـ 30% في ظرف ثلاث سنوات.
في مراكش، وتحديدا في حي “جيليز” والمدينة العتيقة، تؤكد مصادر مهنية تحدثت لـ “نيشان“، أن أسعار الكراء السنوي انتقلت من متوسط 4500 درهم سنة 2023 إلى ما يقارب 8500 درهم في مارس 2026.
هذا الارتفاع الصاروخي (الذي تجاوز 80%) لم يكن انعكاسا للتضخم العام بقدر ما كان نتيجة مباشرة لـ “تجفيف” السوق السكنية لصالح السياح العابرين، الذين يدفعون في ليلة واحدة ما يعادل سومة كراء أسبوع كامل للمواطن المحلي.

“تبييض” النشاط العقاري والفراغ التشريعي
رغم صدور القانون المتعلق بمؤسسات الإيواء السياحي، إلا أن التحريات الميدانية تكشف عن “ثقب أسود” في التطبيق. فغالبية الشقق المعروضة في المنصات تشتغل خارج “الرادار الضريبي” وتحت مسمى “الإيجار بين الأفراد”.
هذا الوضع خلق منافسة غير شريفة مع القطاع الفندقي المهيكل، لكن الأهم من ذلك أنه “طرد” السكان الأصليين بآليات اقتصادية قسرية.
“نحن نعيش حالة من الاستيطان الرقمي”، يقول “أحمد مرون ” الباحث في علم الاجتماع بحامعة ابن طفيل في القنيطرة. “عندما تصبح العمارة تضم 10 شقق، 8 منها مخصصة لـ Airbnb، فإن الساكنين الأخيرين يجدان نفسهما في بيئة غريبة؛ ضجيج مستمر، غياب للأمن التشاركي (السنديك)، وارتفاع جنوني في أسعار الخدمات البسيطة في الحي (المصبنة، البقالة، المقاهي)، التي أصبحت تكيّف أسعارها مع القدرة الشرائية للسائح وليس المواطن المياوم”.

النزوح نحو “أحزمة البؤس” العقاري
النتيجة المباشرة لهذا “الطرد الرقمي” كانت نزوحا جماعيا للطبقة المتوسطة نحو الضواحي البعيدة. في الدار البيضاء، أُفرغت أحياء مثل “بوركون” و” Gautier” من العائلات الشابة التي انتقلت قسراً نحو مناطق مثل “حد السوالم” أو “الرحمة” أو أقصى “المنصوربة” أو ليساسفة. هذا النزوح لا يعني فقط تغيير المسكن، بل يعني زيادة في كلفة النقل، وضغطا على البنية التحتية الطرقية، وتفككا في النسيج الأسري الذي كان يرتكز على القرب من مركز المدينة والمرافق الحيوية.
وتشير البيانات إلى أن متوسط الوقت الذي يقضيه الموظف البيضاوي في المواصلات انتقل من 45 دقيقة إلى 90 دقيقة يوميا في 2026، بسبب هذا الزحف العمراني نحو الضواحي، وهو ما يمثل “كلفة اجتماعية غير مرئية” لهذا الاستثمار الرقمي المتوحش.

نحو “مصفاة” قانونية للحفاظ على هوية المدينة
ويرى خبراء ومختصون تحدثوا لـ “نيشان“، أن تجارب مدن عالمية مثل برشلونة وباريس، التي فرضت قيودا صارمة على عدد ليالي الكراء الرقمي (لا تتجاوز 120 يوماً في السنة)، وتراخيص استثنائية لكل وحدة، أصبحت نموذجا ملحا للمغرب. فبدون “كوطا” محددة تحمي الأحياء السكنية، ستتحول المدن المغربية مع الوقت إلى “ديكورات سينمائية” بلا سكان حقيقيين.

ووفقا للمصادر ذاتها، فإن المطلوب اليوم هو “تخليق” هذا القطاع عبر ربط المنصات الرقمية بقواعد بيانات وزارة الداخلية والمالية بشكل مباشر، وفرض ضرائب “تضامنية” على الكراء اليومي تُخصص عائداتها لدعم السكن الاجتماعي بوسط المدن.
وتشير المصادر إلى أن استعادة “قلب المدينة” للمغاربة لم تعد ترفا، بل ضرورة لضمان التماسك الاجتماعي، وتفادي تحول الحواضر التاريخية إلى “متاحف” للأجانب، تسكنها الأشباح في فترات الركود.







