في وقت يشتكي فيه المشتركون من جودة الخدمات وتباطؤ الاستثمار في 5G، تختار شركة اتصالات المغرب توجيه دفة ميزانيتها نحو “الهندسة المالية” بدلاً من التطوير التقني، عبر رصد 255 مليون درهم من مواردها الذاتية لإعادة شراء أسهمها في البورصة.
وتكشف هذه الخطوة، التي صادق عليها مجلس الإدارة برئاسة محمد بنشعبون، عن مفارقة صارخة في ترتيب أولويات المؤسسة؛ فبينما يواجه الزبائن تحديات مرتبطة بضعف صبيب الإنترنت، والارتباك المسجل في إطلاق خدمات الجيل الخامس التي تعد عصب الاقتصاد الرقمي المستقبلي، تفضل الشركة استنزاف “الكاش” المتاح لتلميع صورة سهمها في بورصتي الدار البيضاء وباريس، وضمان استقرار حصص كبار المساهمين بعيداً عن تقلبات السوق الحقيقية.
وتؤكد مصادر مطلعة من داخل الأوساط المالية أن إصرار الشركة على تفعيل النسخة التاسعة عشرة من هذا البرنامج، الذي يمتد على 18 شهراً، يعكس رغبة حثيثة في خلق “وسادة هوائية” اصطناعية تحمي السهم من تداعيات التراجع الذي بدأ يسجله منذ شتنبر الماضي.
ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا التوجه يكرس مفهوم “النمو المصطنع”، إذ تضطر الشركة للعب دور المشتري والبائع في آن واحد للحفاظ على جاذبية السهم، وهو ما يطرح تساؤلات أخلاقية ومهنية حول جدوى إنفاق ربع مليار درهم في عمليات “تجميلية” بالمقاصة المالية، في وقت كانت فيه هذه المبالغ كفيلة بتسريع وتيرة ربط الأحياء المهمشة بالألياف البصرية أو تحديث محطات الإرسال المتهالكة التي تثير سخط المشتركين.
وفي سياق هذه المقاربة، يبرز التساؤل حول استقلالية المتدخل المالي الدولي الذي سيعهد إليه تدبير هذه العمليات، حيث ترى المصادر أن البرنامج يهدف في جوهره إلى “تخدير” قوى السوق ومنع سهم اتصالات المغرب من الخضوع لقانون العرض والطلب الطبيعي، خاصة بعد الغرامات الثقيلة التي واجهتها الشركة بسبب قضايا المنافسة.
وبدلاً من أن تكون الاستثمارات في البنية التحتية هي المحرك الطبيعي لارتفاع قيمة الشركة، تحول “إعادة شراء الأسهم” إلى آلية لتعويض العجز الابتكاري، مما يضع المؤسسة أمام مأزق حقيقي؛ فبين إرضاء المساهمين عبر الحفاظ على مستويات سعرية مرتفعة للسهم، وبين تلبية تطلعات المشتركين في خدمة تليق بحجم الفاعل التاريخي، يبدو أن “اتصالات المغرب” قد حسمت خيارها لصالح الأرقام الورقية في البورصة على حساب الجودة الميدانية.







