كان لدينا أستاذ في الإعدادي ينهرنا إذا نسينا شيئا ما، ويردّد بصرامة : “النسيان من عدم الاهتمام”، وحين يحدث العكس وينسى هو شيئا وننبّهه إلى ذلك، يردّ دون أن يرف له جفن: “سمي الإنسان إنسانا لأنه ينسى”… على يدي هذا المدرس تعلمنا الكيل بمكيالين في وقت مبكر، وأصبحنا نتقن فنّ “التغوفيل”، مثل ملايين المغاربة.
من أين يأتي النسيان؟
سواء جاء من “عدم الاهتمام” أو من “الإنسان” أو من سبب آخر، النسيان آفة العصر. معظم الناس في عالم اليوم لديهم مشاكل مع الذاكرة، رغم أنهم ليسوا بالضرورة مصابين بالزهايمر. التطور التكنولوجي والطفرة الرقمية التي شهدها الكوكب خلال العقود الأخيرة، أصابت الذاكرة في مقتل. أصبحت الرؤوس أكثر ميلا إلى الكسل، ومليئة بالثقوب والثغرات، لأن المعلومات كلها مخزنة في الهواتف والحواسيب، يكفي أن تلمس شاشة صغيرة كي تحصل على أي تفصيل تريد، ما الداعي إلى تكديس الأشياء في الرأس إذا كنت تستطيع وضعها في مكان آخر؟ ذاكرة الأجيال التي فتحت أعينها على ويكيبيديا وگوگل وشات جيپيتي مبرمجة بشكل مختلف، لا تخزّن الأشياء بالطريقة القديمة، لذلك يحتاج النسيان إلى تعريف جديد، لأن وظيفته تغيرت، ونتائجه أيضا.
بعيدا عن النسيان وطفراته، تظل الذاكرة انتقائية أحيانا. هناك أحداث قريبة لا نستطيع تذكرها بتاتا، مهما بذلنا من جهد، وأخرى بعيدة نستحضرها بالتفاصيل والألوان والأصوات والروائح، كأننا عشناها البارحة. يمكن أن تنسى مثلا ماذا أكلت هذا الصباح، وتتذكر تفاصيل فطور التهمته في طفولتك البعيدة. ويحدث أن تلتقي أشخاصا تعرف وجوههم جيدا ولا تستحضر أسماءهم، تتحدث معهم وتتفادى النطق بأسمائهم، الموقف يصبح محرجا عندما يكون معك شخص آخر ويصبح لزاما عليك أن تتكفل بالتقديم، كما تقتضي اللياقة!
وهناك من لديه مشكلة مع الأرقام تحديدا، لا يستطيع حفظها، تجده يكتب كل شيء على ورقة، بما في ذلك رقم هاتفه و”كود” بطاقة البنك… وهناك من يذهب كل صباح الى العمل، ولا يستطيع فتح حاسوبه لانه ينسى “كلمة السرّ”، ويعوضها بأخرى، ينساها مجددا في اليوم الموالي !
ثم هناك من لديه مشكلة عويصة مع الأمكنة، حتى لو زار العنوان عشر مرات لا يستطيع العودة إليه لوحده دون أن يضيع، وأنا واحد من هولاء. لحسن الحظ أن هناك الجي بي إس واللوكاليزاسيون ووايز، وأن من يسأل لا يتوه. أحيانا تكون ضائعا في مدينة وتسأل شخصا فيمشي معك من شارع لشارع ومن حي لحي حتى تعثر على العنوان، وتجد نفسك تردد أن العالم مازال بخير مادام فيه ناس بهذه الطيبوبة، وأحيانا تقع على شخص بدل أن يدلك على المكان الذي تبحث عنه، يقطب جبينه كأنك شتمت أهله، ويمكن أن يسبك لأنك تجرأت وتحدثت معه في أمر لا يعنيه، فتنتهي بأن تلعن المدينة والحي والشارع الذي التقيت فيه بهذا الصنف من الحيوانات. وهناك من يمسك العصا من الوسط، لا يقطب جبينه، لكنه لا يبذل أدنى جهد كي يساعدك، أقصى ما يمكن أن تأمل منه أن يحرك أصابعه وهو يلوح في اتجاهات شتى… الأكثر كسلا يشير إلى أقرب “رومبوان” ويقترح عليك أن تسأل أول من تلتقيه هناك، وينتظر منك أن تقول له شكرا، كأنه قدّم لك خدمة العمر. هؤلاء مزاجهم أقرب إلى الفرنسيين، الذي عثروا من زمان على أنسب حل للتعامل مع “التائهين”. ما إن تسأل أحدهم حتى يقلب شفتيه، ويرد في لا مبالاة مدهشة:
Je sais pas !
لحسن الحظ أن الذكاء الاصطناعي أصبح يعفينا من الغباء البشري!
لعبة النسيان







