كنت سأكتب عن الحرب في الشرق الأوسط، ولعبة “اِفتحي يا وردة اِغلقي ياوردة” في مضيق هرمز، وجولة الشطرنج المعقدة بين الفرس ورعاة البقر، لكنني تذكرت شعار فلاسفة “تامغرابيت” الكبار : “تازة قبل غزة”، وقررت الانضباط، لن أذهب إلى الشرق الأوسط لكنني سأتحدث عن النسخة المغربية من مضيق هرمز.
أجل هناك معادل لمضيق هرمز في المغرب، ليس على البحر ولكن في اليابسة، لا تعبره السفن بل السيارات، يكفي أن تحرك عربتك بعد ركنها في الشارع حتى يخرج لك فرد من “الحرس الثوري” للسيارات، ببذلته الصفراء، وصفارته العجيبة، ليطالبك بالدفع، رغم أنك دفعت للشركة التي أوكلت إليها السلطات تدبير رَكْن السيارات على الآلة المخصصة لذلك. يبدو أن “الطوموبيلا” في المغرب مازالت علامة على الثراء، لذلك لا بدّ أن تدفع مرتين. في كل شارع تجد “لوروداتور” وجنبه تشكيلة من “الحرس الثوري”، ينتظرون أن تغادر كي يأخذوا منك نقودا نظير خدمة وهمية: “زيد زيد زيد”، وحركات سوريالية باليد، إذا تبعتها تدخل في الطروطوار أو تخرّب السيارة التي وراءك !
ليست خدمة في الحقيقة، بل “عمل عدائي”. كأنهم يحتجزون سيارتك في الشارع العام، ولا بد أن تدفع كي يفكّوا الحجز. إذا لم تفتح النافذة وتمد له “الفدية”، يمكن أن تكون العواقب وخيمة : تمزيق العجلات، تخريب الكاروسري، تكسير الباربريز… وغيرها من الأعمال الانتقامية، التي تنفذ خفية فيما بعد. الأكثر لطفا يشتمونك أو ينظرون إليك شزرا كأنك قتلت لهم فردا من العائلة. سمعت شابة على وسائل التواصل الاجتماعي تروي حكايتها مع واحد من هؤلاء. لم تكن عندها قطع نقدية، كان عندها درهم فقط، وخجلت أن تعطيه للحارس، لذلك أخرجت ورقة من فئة خمسين درهما وطلبت منه أن يأخذ خمسة ويرد لها الباقي، ذهب ليصرّف ثم يعود، وما زالت تنتظره إلى يومنا هذا… سرقة موصوفة !
المغاربة منقسمون إزاء الظاهرة: بعضهم يدفع لهم بسخاء، ويعتبر ذلك من قبيل “الصدقة”، لأن من يلجأ إلى هذه “المهنة” في النهاية لا يملك مورد رزق آخر، والبعض يمتنع عن الدفع، لأن فيه تشجيعا لمن يصفونهم ب”باردين لكتاف” على مزاولة “حرفة” في منتصف الطريق بين التسول والنصب، ولأن الصدقة ليست إجبارية، ويستحقها أشخاص آخرون. ثم هناك خصاص كبير في مهن شريفة، يتقاضى أصحابها أجورهم مقابل خدمة حقيقية. بعض “السترات الصفراء” أكتافهم أعرض من جبل… لماذا لا يذهبون للعمل في ورشات البناء، مثلا؟
في كلّ الحالات، ليس من المقبول أن يقضي المواطن وقته متأرجحا بين “الشمتة” و”عقدة الذنب”. إذا ترك حارس السيارات يسرقه يحس بالشمتة، وإذا لم يعطه شيئا يحس بعقدة الذنب، لأن الرجل في النهاية لا يملك مورد رزق ويعيل عائلةً في أغلب الأحيان. رغم أن بعضهم يوزع “بونات” مكتوب عليها 10 دراهم أكثر، وعليك أن تدفع مسبقا، كأنه يملك الشارع!
هل نحن في بلاد المخزن أم بلاد السيبة؟
في المغرب القديم، كانت هناك مهنة اسمها “الزطاط”، وهو شخص يساعد المسافرين على اجتياز بعض المناطق الخطرة، ويحميهم من قطاع الطرق، مقابل تعويض مادي. “حارس السيارات” نصّب نفسه “زطاط” العصر الحديث، يمارس مهنة وهمية في شوارع المدن. المشكلة أن عصر “السيبة” انتهى، وهناك أكثر من أربع تشكيلات أمنية في المملكة من الدرك إلى البوليس مرورا بالمخازنية والعسكر… الأمن مستتب، والكاميرات في كل مكان، لم يعد أحد يحتاج إلى “زطّاط”!
ليست الدولة وحدها في المغرب من يفرض الضرائب بل المواطنون أيضا. السلطة جزء من المشكلة، لأنها تتغاضى عن الابتزاز الذي يجري علانية في الشارع، في رهان على نوع من التضامن الاجتماعي، أي من عنده يعطي لمن ليس عنده. لكن المواطن لا يمكن أن يحل مشكلة البطالة، خصوصا مع ارتفاع الأسعار وتفاقم التضخم. كما أن بعض الأجهزة تعتمد عليهم في “التبرگيگ” وجمع المعلومات، مما يضفي على عملهم نوعا من المشروعية، ويساهم في انتشار مهنة وهمية.
ليس هناك ألف حلّ، إما أن ترخّص السلطات لهؤلاء الأشخاص بالعمل وفق ضوابط واضحة وتحدّد إطارا للخدمة التي يقدمونها أو تضع حدّا لابتزازهم.
المؤكد أن الوضع لم يعد ذلك مقبولا ونحن على أعتاب احتضان كأس العالم لكرة القدم. إذا بقيت الأمور على حالها، سنستيقظ ذات يوم ونجد أشخاصا يرتدون زيا موحدا ويمنعون الناس من المرور في بعض الشوارع ما لم يؤدوا مبلغا من المال أو يطالبون الراجلين بالدفع مقابل المشي على الرصيف !







