تتجه الأنظار هذه الأيام إلى مدينة مكناس التي تحتضن الدورة الثامنة عشرة للمعرض الدولي للفلاحة (SIAM 2026)، وسط أجواء احتفالية تحاول تسويق “النموذج الفلاحي المغربي” كقصة نجاح تقنية وتصديرية. غير أن هذه الصورة “البراقة” التي تؤثث أروقة المعرض، تصطدم بواقع مرير يغلي خلف الأسوار؛ حيث يجد الفلاح الصغير نفسه ضحية لسياسات زراعية أدارت ظهرها لـ”خبز المغاربة” وارتهنت لمتطلبات الأسواق الخارجية، مما جعل من شعار “السيادة الغذائية” مجرد لافتة للاستهلاك الإعلامي لا تترجمها لقمة عيش المواطن البسيط.
وفي هذا السياق المتسم بالاحتقان، أصدرت النقابة الوطنية للفلاحين، المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، وثيقة شديدة اللهجة تحت وسم “نداء مكناس”، رفعت من خلالها الغطاء عما وصفته بـ”الانفصام” بين واجهة المعرض وواقع المداشر.
الوثيقة التي توصلت نيشان بنسخة منها، هاجمت بشراسة ما يمكن تسميته بـ”ديكتاتورية الأفوكادو والبطيخ”، وهي الزراعات التي تستنزف الفرشة المائية الوطنية بشكل “سرطاني” لإرضاء رفاهية المستهلك الأوروبي، بينما تُترك أراضي “البور” والمناطق المهمشة لمواجهة العطش وتشققات التربة، في مفارقة تعكس غياب العدالة المجالية والمائية.
النداء النقابي لم يتوقف عند نقد السياسة المائية، بل تجاوز ذلك ليفضح “الهوية المهنية” المسلوبة للفلاح الصغير، مؤكداً أن منظومة الحماية الاجتماعية (AMO) تحولت في صيغتها الحالية إلى “مقصلة” لجيوب الفقراء عبر فرض اشتراكات تفوق قدرتهم، بدلاً من أن تكون صمام أمان يحميهم من تقلبات المناخ.
واتهمت النقابة الدوائر الرسمية بممارسة “التصفية المهنية” في حق الكادحين، عبر إثقال كاهلهم بالديون وتركهم لقمة سائغة في يد “عقود الإذعان” التي تفرضها الشركات الكبرى لإنتاج وتصدير الحليب والمنتجات السكرية والزيوت.
وعلى المستوى السيادي، حذر “نداء مكناس” مما أسماه “التبعية الوراثية”، من خلال ارتهان الفلاحة المغربية للبذور الهجينة (Hybrides) التي لا تُنتج إلا مرة واحدة، مطالبًا بتجريم احتكار البذور الأصيلة التي تشكل “الاستقلال الجيني” للبلاد.
وختمت النقابة صرختها بدعوة الدولة إلى “تخطيط مائي ديمقراطي” ينحاز للفلاح الصغير كحارس للبيئة، مؤكدة أن السيادة الغذائية “لا تُستورد في الحاويات، بل تُزرع في القرى وتحت ظلال أشجار الزيتون وبسواعد الفلاحين الكادحين”، بعيدًا عن لغة الأرقام المضللة التي تحاول إخفاء فشل نموذج فلاحي لم يعد يخدم سوى حفنة من المضاربين وكبار الملاكين.







