عكست أجواء جلسة محاسبة الحصيلة الحكومية بمجلس النواب، أمس الثلاثاء، ملامح صراع انتخابي مبكر بدأ يتصاعد في الكواليس، قبل أقل من خمسة أشهر على استحقاق 23 شتنبر المقبل؛ حيث أفادت مصادر مطلعة لـ “نيشان” بأن عزيز أخنوش دخل القاعة وهو يدرك أن “كتيب الالتزامات العشرة” الذي قدمه سنة 2021 بات يشكل أحد أبرز مرتكزات خطاب المعارضة لمحاصرته في زاوية “الوعود غير المنجزة”.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن الدوائر القريبة من رئاسة الحكومة اشتغلت لأسابيع على ما وصفته المصادر بـ”خطة الهروب إلى الأمام”، تهدف إلى نقل النقاش من منطق “محاسبة الورقة والقلم” إلى إبراز “الأرقام الكبرى”، في محاولة لقطع الطريق على سردية “الفشل” التي تسعى المعارضة وتحديدا حزب “بيجيدي” إلى تكريسها مع اقتراب موعد الانتخابات.
ووفق المصادر ذاتها، فإن ما وصفته بـ”القصف الرقمي” الذي اعتمده أخنوش، خاصة في ملفات الحماية الاجتماعية وتعميم التغطية الصحية، والذي همّ نحو مليون و700 ألف مستفيد إضافي، كان يرمي إلى إحداث “صدمة إحصائية” من شأنها جعل انتقادات المعارضة تبدو وكأنها “خارج السياق الزمني” للإصلاحات الجارية.
كما أوضحت المصادر أن رئيس الحكومة كان يتوقع تركيز المعارضة على مؤشرات التضخم وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما دفعه، بحسب تعبيرها، إلى نقل النقاش نحو قضايا “السيادة الوطنية”، لاسيما عبر بوابة الأمن المائي ومشاريع تحلية المياه، وهي ملفات توصف بأنها أقل عرضة للهجوم السياسي المباشر، مما مكنه من استعادة جزء من المبادرة في ظرفية سياسية حساسة تتطلب، وفق المصادر، ترسيخ صورة “الرئيس المُنجِز”.
في المقابل، تشير معطيات متطابقة إلى أن تحركات المعارضة في الكواليس لم تكن أقل حدة، إذ حاولت استدراج رئيس الحكومة إلى واجهة النقاش المرتبط بـ”الخوصصة” و”بيع أصول الدولة”، وهي اتهامات أثارت تفاعلاً واضحاً داخل الجلسة، ودفعته إلى الرد بنبرة أكثر حدة من المعتاد.
وتفيد المصادر ذاتها بأن هذا الاشتباك لم يكن معزولاً، بل يندرج ضمن ما وصفته بـ”تثبيت المواقع السياسية”، حيث تسعى المعارضة إلى وسم الحكومة بخيار “الليبرالية المتوحشة” قبيل الانتخابات، في حين يصر رئيس الحكومة على تقديم حصيلته ضمن إطار “الدولة الاجتماعية”، مستدلاً، وفق الأرقام الرسمية، بضخ نحو 340 مليار درهم في الاستثمار العمومي.
ويعكس هذا التراشق قناعة الطرفين بأن جلسة أبريل هي “البروفة الأخيرة” قبل النزول إلى الشارع لإقناع الناخبين، حيث تحول البرلمان، وفق القراءة ذاتها، من فضاء للرقابة إلى “منصة لإطلاق” رسائل سياسية ذات حمولة انتخابية.
وفي السياق ذاته، تضيف مصاردنا، أن مداخلات رئيس الحكومة، التي تضمنت أمثلة ذات بعد اجتماعي، تزامنت مع متابعة دقيقة لردود الفعل على شبكات التواصل الاجتماعي من قبل محيط الطرفين، في مؤشر على أن رهانات المرحلة لم تعد تقتصر على قبة البرلمان، بل تمتد إلى كسب معركة “السرديات” في الفضاء الرقمي.
وبينما تراهن الحكومة، وفق مقربين منها، على أن “النتائج الملموسة” كفيلة بتقليص أثر “الوعود السابقة”، تراهن المعارضة، بحسب مصادر متطابقة، على أن الفجوة بين الأرقام الرسمية وواقع الأسعار ستظل العامل الحاسم في توجيه اختيارات الناخبين. وبين هذين المنظورين، تكشف معطيات جلسة الثلاثاء أن المشهد السياسي دخل فعليا مرحلة العد العكسي نحو استحقاقات شتنبر، في سياق لا يترك مجالاً كبيراً لأنصاف الحلول.







