أصبحت كثير من القنوات والمواقع الإخبارية أكثر استجابة لانتظارات المواطنين في مجال تحليل الخطاب الرسمي الحكومي. وأصبح تتبع الحدث السياسي أكثر حضورا وموضوعية على بعض هذه المواقع بالقياس مع التغطية الإعلامية العمومية والرسمية، والتي تطول زمنيا وتتسع لكل ما هو خطاب رسمي. ولهذا تستضيف قنواتنا التلفزية كثيرا من صناع ” الرأي “، ومن الوزيرات والوزراء الأكثر طلبا للحضور الإعلامي. يستقبلون بكثير من البروتكول الإعلامي، ويتم التعامل معهن ومعهم بكثير من ” الألفة ” الاجتماعية التي تحاول أن تتعدى ذلك الحاجز المهني المطلوب في تدبير العمل الصحفي الذي يحظى بالمصداقية. تابعت، بكثير من التركيز، حوارات كثيرة على كثير من القنوات مع وزراء وقياديين من الأغلبية. تبين لي أن أغلب المحاورين( بفتحة على الواو) يشعرون بكثير من الارتياح نظرا لسهولة الأسئلة التي يطرحها المحاورون ( بخفضة تحت الواو ).
وقد كانت أكثر لحظات البرامج ضعفا هي تلك التي تعلقت بتغييب تقييم السياسات العمومية والقطاعية، ومن ضمنها السياسات الطاقية والفلاحية والاجتماعية والصناعية وكل البرامج التي تطلبت استثمارات مالية ومؤسساتية كبيرة. وللتذكير فإن التقييم لا يقف عند أرقام الصرف ولا على سرد الأمتار المكعبة من الأسمنت المسلح، ولا على عدد الكيلومترات من الطرق، ولا على عدد البنايات الموجهة للتعليم والصحة فقط. التقييم يركز بالأساس على آثار المشاريع والسياسات، التي ترتبط بها، على الأهداف والمستهدفين من الفئات والطبقات الاجتماعية.
يجب الاعتراف بأن بلادنا أنجزت الكثير من البنيات الصحية والتعليمية، وظل الولوج إلى العلاجات، وتحسين الخدمة التعليمية ضعيفان بمقاييس كل المؤسسات الوطنية والدولية. وسيظل السبب في غياب ورفض تقييم آثار صرف مئات الملايير من الدراهم مرتبطا بتلك الأسباب التي ترفض تفعيل الدستور في ربط المسؤولية بالمحاسبة. وسيظل ذلك التقنوقراطي الكفؤ ينظر إلى السياسية بشيء من الاحتقار لأنه يعتبر المحاسبة السياسية مجرد شعار، ولعبة تؤكد قدرته على السيطرة على مشهد مجالس منتخبة أغلب اعضاءها لهم مشكلة مع حرف ” الواو الذي يشبه ” عصا الطبال”. وهكذا أصبحت اللعبة السياسية تتلخص في توازن البحث عن ” المرشح ذو المال والحضور الترابي ” مع التنقيب عن تقنوقراط يبحثون عن مكان في سوق الاستوزار المؤدي إلى مزايا أكبر من تلك التي كانت لديهم قبل استقطابهم.
ولا يمكن للملاحظ أن لا يشير إلى تفادي الوزراء الجدد، في مجال ممارسة السياسة، ربط عملهم التقنوقراطي بانتمائهم ” السياسي”، غير المؤكد، لحزب الأصالة والمعاصرة ولحزب التجمع الوطني للأحرار وحتى لحزب الاستقلال ولأحزاب أخرى. وهذا هو شأن الكثير ممن نودي عليهم لتسلم حقائب وزارية بإسم أحزاب لم تكن لهم ولهن أي معرفة سابقة مع أحزاب أو ولاء لسياسة أو حتى انخراط في جمعية. وحين ينفرط عقد أغلبية، يعود المقاولون للمقاولة، ويرجع كافة التقنوقراط إلى حيث ينتظرهم أولياء نعمتهم الحقيقيون. ولا يجب أن ننسى أن اللوبيات لديها ثقافة الإعتراف بمن خدم مصالحها في كل المواقع.
تحتاج بلادنا إلى كل الكفاءات لكي تغطي النقص الحاصل في تدبير كل السياسات العمومية. ولا يمكن انتظار العجب ” العجاب ” من التقنوقراط، وذلك لأن اختيار السياسات يرجع بالأساس لمن يمتلك القرار السياسي. قد تتم عمليات الاستشارات التقنية مع كل المهنيين، ولكن الخبير والمستشار والمهني الكبير لا يكتب البرنامج الحكومي ولا يلتزم بتنزيله على أرض الواقع. نعم نحتاج إلى الكفاءات كرأسمال معرفي، ولكن احتياجنا إلى الإرادة السياسية أكبر بكثير. البرنامج السياسي، في معناه الكبير، هو تخطيط لمستقبل قطاعات اقتصادية واجتماعية، وهو، في الأساس، اختيار يهم مصير شعب واقتصاد وطرق لضمان عدالة اجتماعية ومجالية شاملة، وقد تصبح ” شمولية ” بفعل عمق الفوارق بين مختلف الفئات الاجتماعية.
وسيظل ضعف تغيير الواقع الاجتماعي عنوان مرحلة امتدت لعقود في بلادنا. كيف تختار أحزاب الأغلبية وزراء صحة وتعليم وفلاحة وثقافة وشغل لا يحملون سوى شعارات، ولا يعترفون بضعف آثار الصرف على قطاعات حيوية. وسيظل المستمع للخطاب الحكومي بشأن الإنجازات غير قادر على ربط عطالة الشباب والنساء بما قاله رئيس الحكومة من ” أحلام “. وسيظل رب الأسرة يدخل على أبناءه بقفة ينقص وزنها كل يوم. وستظل الأسعار تلتهب لتغني اقلية في مجالات الخضر والفواكه واللحوم والأسماك والعقار والنقل. وسيظل قانون العرض والطلب سيفا مسلطا على ذوي الدخل المحدود.
وسنجد التقنوقراط داخل الحكومة وفي مجالس الحكامة يبررون تراجع القدرة الشرائية بأرقام لا يعرفون هزالتها إلا هم. وسنظل نطرح سؤال مردودية مجالس وغيرها في مجالات منافسة وحقوق الإنسان واقتصاد وجالية وبيئة، وغيرها ممن خلقوا لتأثيث مشهد مؤسساتي أصبح غير ذي جدوى. يقع هذا في وجود مؤسسات رقابية وذات تاريخ كبير وكفاءة أكبر وعلى رأسها المفتشية العامة للمالية ويليها تاريخيا المجلس الأعلى للحسابات والمفتشية العامة للإدارة الترابية وغيرها من المفتشيات القطاعية.
لا يمكن أن ننكر الإمكانيات الرقابية للمؤسسات الموجودة، ولا يمكن أن لا نتذكر تلك الإرادة التي ارخت بظلال قوتها على برمجة وحركة المؤسسات الرقابية منذ أكثر من عقدين من الزمن. ولا زال المتتبعون المتخصصون يتحسرون على ما تعرضت له تلك المؤسسات من محاولات لتشويه مهامها وتقليص أدوارها الرقابية. حاول أؤلئك الذين يعترضون على ربط المسؤولية بالمحاسبة إلى تحويل المفتشيات العامة إلى ” مراكز ” دراسات حول القدرات التدبيرية، وافتحاصات الموارد البشرية والأنظمة المعلوماتية، وتشخيص نواقص المراقبة الداخلية. وهو ما يعد ابعادا للمفتشيات، وخصوصا للمفتشية العامة للمالية عن ادوارها التاريخية التي انيطت بها منذ أكثر من أكثر من ستين سنة.
ولا يمكن أن ننتظر من المؤسسات الرقابية أن تقوم بدور مهم في مجال تقييم السياسات العمومية والقطاعية. يعد هذا الأمر في كثير من الدول من اختصاص القطاع السياسي كما هو الشأن في فرنسا حيث يوجد مجلس الشيوخ كمؤسسة تتعامل مع التقييم بمهنية عالية بمشاركة من طرف ذوي الاختصاص في كافة المجالات. لكل ما سبق أتمنى أن يتواضع المجلس الأعلى للحسابات عبر عدم نشر ما يسميه تقييما للسياسات العمومية والقطاعية.
جربنا الكثير من أشباه الحلول للوصول إلى نتائج قطاعية حسب ما تم تقديمه من طرف الوزراء ورؤساءهم. وظلت نتائج كثير من السياسات القطاعية دون ما كنا ننتظره. وتشمل هذه النتائج قطاعات كالفلاحة والتربية والصحة والتعمير. قدم لنا رئيس الحكومة، حين كان وزيرا كبيرا، وذو صلاحيات واسعة في مجال التنمية القروية، فاقت صلاحية رئيس الحكومة آنذاك، والذي كان أول رئيس حصل حزبه على أكبر نسبة من المقاعد في البرلمان. وخاض بن كيران تجربة فريدة دون أن يمتلك سلطة القرار في تسليم أمور إستراتيجية لحلفاء تنكروا لثقة، عكست نوعا من ” السذاجة ” السياسية.
ولا يمكن لعاقل أن تنطوي عليه كل الحيل السياسية التي جعلت من عزيز اخنوش غير مساهم في تدبير حكومي انطلق منذ 2008 إلى غاية 2021. إنه العبث السياسي الذي يحول الحكومة إلى لعبة انتخابية تعبث بها المصالح الضيقة وشروط الاستفزاز السياسوي الذي يتنكر بشكل مريب لكل مشاركة سياسية سابقة لتحول وزيرا كبيرا جدا إلى رئيس للحكومة يسمح لنفسه، بكل جسارة، للتنكر لوجود في عمق القرار الحكومي لأكثر من 12 سنة. ولأن التاريخ عنيد ومفيد لمن يجهل ثقل الفعل والقول، فلقد أصبح من الصعب إقناع المواطنين بأرقام لا علاقة لها بواقعهم المعيشي.
استضافت القنوات التلفزية العمومية، والاذاعات الخاصة وبعض كبريات مواقع الإنترنت كثيرا من المسؤولين الحكوميين والبرلمانيين، وكانت البرامج التي استضافتهم تميل إلى نوع من النقاش ” الشعبوي ” الذي يحول المضمون إلى علاقات إنسانية عادية و” بسيطة” ومغرقة في نوع من ” الحميمية ” والمعرفة الشخصية السابقة والموغلة في تبسيط وتسطيح قضايا سياسية واقتصادية وإجتماعية كبرى تستحق الكثير من الجدية والمسؤولية. لا أقول هذا من فراغ، ولا من باب تمجيد الاختلاف، ولكن بحكم تجربة أظن أنها كانت عميقة في محاورة المسؤول السياسي. حاولت، قدر المستطاع، أن احاور كثيرا من أكبر المسؤولين السياسيين خلال سنوات مضت. احترمتهم كثيرا من خلال إعداد البرنامج الحواري بكثير من المهنية والقراءة المختصة لكل الملفات المالية والاقتصادية، بمعية صحفيين ومهتمين يحملون هم الوطن، وبكثير من الوعي تلك التي تتعلق بالقضايا السياسية. ولم أسعى إلى إظهار أي تعبير عن علاقة شخصية مع أي مسؤول. تدبير البرنامج الصحافي يتطلب كثيرا من الإحترام لكل مسؤول، وكثيرا من الصراحة التي لا تتجاوز حدودا دنيا من اللياقة الأدبية، بما في ذلك طرق مخاطبة المسؤول أو المسؤولة. وأصبح كثير من صحافيي التلفزيون والإذاعات يديرون كثيرا من الحوارات مع المسؤولين بكثير من المجاملة وأيضا بكثير من العدوانية المستفزة. وغالبا ما تغيب المهنية ويغيب تملك أدوات معرفة مواضيع النقاش والقدرة على قراءة السياسات العمومية والقطاعية. ويتحول البرنامج الحواري إلى حديث عادي يبسط آثار سياسة على الإقتصاد وعلى المجتمع، ويحاول إخفاء قضايا مردودية الفعل السياسي والمستفيدين من القوانين التي تصوت عليها أغلبية تساند الحكومة.
و لا بد من التأكيد على أن بعض البرامج الحوارية تنخرط في تسويق سلعة سياسية بالمفهوم المنحط للكلمة. تأتي الوزيرة والوزير والبرلمانيون للاستديو هات لتجد نفسها تحت الأضواء. ولا يمكن أن نقرأ الظاهرة الإعلامية دون ربطها ” بسوق” الابهار ” وتلميع صور بعض الفاعلين الذين نالوا حظوة التواجد في منطقة الأضواء. لم تعد هناك منطقة تخضع لحرية التصرف الموضوعي مع الفعل السياسي. تغلب منطق السوق على البرمجة الإذاعية والصحفية بصفة عامة.
لم أسلم، خلال تسيير برنامج نقاشي إذاعي، من كثير من الضغط الذي وصل إلى حد وقف النقاش وتعويضه بفقرة غنائية دامت لكثير من الوقت. استضفت ممثلين عن جمعيات حماية المستهلك، فتسببت في خسائر مالية للقناة التي كنت من أحد من مدبريها.
وأصبحت بعد تجربة إذاعية، اعتبرتها غنية بكل المقاييس، أمتلك أدوات الفرز بين خطاب صحافي مهني ومسؤول، وبين من يبحث عن تميز مصطنع لكي يستبيح تسليط الأضواء على أداءه الذي يشك فيه كل من درس القواعد الأولى لمهنة الصحافي. وقد وجب رفع كل حجج يسوقها من يروجون لشعار ظاهره كبير، وخفاياه لا تعكس أي إهتمام بالمغرب وتاريخه الكبير، والذي لا يحتاج إلى من يروجون إلى انبطاح يسمونه ” تمغربييت”.
بلادنا تكبر وتزيد في قيمة إشعاعها بالعلم والثقافة وبقوة بنياتها الاقتصادية والدبلوماسية. يتقن كل المغاربة خوض الكثير من المواجهات والمعارك للدفاع عن وحدة ترابهم الوطني، ولا يسمون سعيهم الحثيث بإسم آخر غير تعبيرهم عن وطينتهم التي يضعونها في أسمى المراتب. الانتماء إلى الوطن لا يمكن أن توازيه كلمة سميت ب: تمغربييت”، وذلك لأن الانتماء إلى الوطن لا يحتاج إلى صنع شعارات لا تجسد عمق علاقة المغاربة بوطنهم. المواطن يحب الوطن بكل ما يملك. وهذا هو المغربي الذي لا يحتاج إلى كلمات لا تترجم حقيقة حبه لوطنه.
لكل ما سبق لن انخرط في التصفيق للمساحات الإعلامية التي منحت للحكومة خلال الأسبوع الفارط. سمعت لكل ما ورد على لسان رئيس الحكومة فتعجبت لضعف ثقافة من يسكنون ديوانه ويكتبون خطاباته ويحسبون أنفسهم مدججين بأسلحة الأرقام التي لا تقاوم. كان من واجب رئيس الحكومة أن يعلن عن صعوبة القضاء على البطالة. الأمر يتطلب قراءة معطيات من أرض واقع بلادنا عبر الأبحاث اليومية والأسبوعية للمندوبية السامية للتخطيط. لم تستطع حكومة اخنوش وحزبه أن يترجما وعودا بخلق مليون منصب شغل إلى واقع ( لا يمكن أن يتحول المغاربة إلى منتقمين أو إلى من يرجم بالحجارة من قدم لهم وعدا كاذبا ). أليس كذلك يا رئيس مجلس النواب. ونفس الأمر يتعلق بخطاب كاذب عن نسبة نمو لم توجد في أي تقرير أو تحليل لبنك المغرب ولا للمندوبية السامية للتخطيط ولا للمؤسسات المالية الدولية. نسبة النمو الحقيقية هي تلك التي تؤثر على القدرة على خلق مناصب الشغل وعلى الزيادة في القيمة المضافة لكافة القطاعات المكونة للناتج الإجمالي الخام.
أتذكر ذلك اليوم الذي دخلت فيه إلى مكتب المندوب السامي للتخطيط، وقد كنت شاهدا على هجوم عليه من طرف أحد الوزراء. طلبت منه مدي بكل التوقعات التي تتعلق بالمعطيات الماكرواقصادية، فتأكدت. بعد الدراسة، وشهادات دولية، بأن المغرب يمتلك مؤسسة إحصائية معترف بها عالميا. غادر السيد العلمي الحليمي هذه المؤسسة، وخلفه السيد شكيب بن موسى. وقد سبق لي أن أكدت أن مسؤولية المندوبية السامية للتخطيط تجبر حاملها على قول الحق ولا شيء غير الحق. لكل ما سبق سيظل تقييم آثار كل السياسات العمومية على المواطن أهم من أرقام الإنجاز المادي ولو تعلق الأمر بملايين اطنان الأسمنت المسلح. ونذكر السيد عزيز اخنوش بأن الواقع اليوم يبين بأن أسعار المواد الغذائية تناقض كل أهداف المغرب الأخضر والجيل الأخضر. سنظل ننتظر ذلك اليوم الذي ينتشر فيه ضوء المحاسبة المرتبطة بالمسؤولية. يجب أن نقدم الشكر لكل سياسي، كيفما كان لونه، خدم البلاد وأدخل الطمأنينة على قلوب العباد. ولكن البلاد لا يمكن أن تطمئن وفي دوالبها من يعادون المحاسبة ومن لا يمتلكون دليلا واحدا على الاغتناء الذي وصلوا إليه. يتمنى بعضهم ذكر الأسماء، ولا يمكن أن نتمنى إلا محاسبتهم وفق القانون الأسمى للبلاد.
التقنوقراط.. من الوصولية إلى تبرير الفشل فترك الجمل بما حمل
لماذا لا يتم تقييم السياسات العمومية والقطاعية بمهنية.. الخوف من المحاسبة كبير جدا جدا؟







