“ويل للمصلين” هو أنسب شعار للدولة الاجتماعية، باعتبار أن جُل مسؤوليها يختارون ما يُناسبهم من الحقيقة ويسقطون الجزء الباقي. السيد رئيس الحكومة بعد زيارته لإقليم طاطا صيف العام 2024، خرج في البرلمان ليقول أن شباب الإقليم يرفضون مغادرة المدينة للاشتغال في مناطق أخرى.
كان هذا نصف الحقيقة؛ أما النصف الآخر فهو أن شباب طاطا يرفضون الانتقال 1000 كيلومتر في اتجاه طنجة أو البيضاء للعمل بـ 3000 درهم 8 ساعات (مينيموم) في مصانع الكابلاح، وهم المُهمشون من الاستفادة من ثروات معدنية هائلة يزخر بها ترابهم.
لماذا لم يطرح سيادة رئيس الحكومة التساؤل حول تهميش طاطا منطقة وبشرا من خيرات منجم أقا، الذي ينتج 800 كيلو غرام من الذهب شهريا، 9600 كيلو غرام سنويا، على عمق 830 مترا تحت الأرض؟
لماذا على شباب طاطا الهجرة لمدن سومة كراء غرفة فيها تعادل راتب شهر من عبودية الكابلاج، ولا يتم إدماجهم في سلسلة القيمة التي تستخرج الأحجار المُحملة بالمعدن النفيس من منجم “دودرار” ببلدة إنكارف، تُصفّيها من الشوائب، قبل نقلها للموانئ لتُصدر ذهبا خاما أصفر لذة للمستثمرين؟!
لماذا لا يتم تكوين شباب طاطا نصف عام، عام أو حتى عامين وإدماجهم برواتب معقولة في منجم “بوزرايف” للذهب، والدولة المغربية صدعتنا بأهمية التكوين المهني صارفة عشرات مليارات الدراهم عليه؟ ولا التكوين ما يتسمى تكوين إلا إن كان في مصلحة الشركات العابرة للقارات؟!
آخر بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) تتحدث عن كون المغرب في طريقه لمنافسة غانا وجنوب أفريقيا، ليس فقط في مخزون المعادن التقليدية (الذهب، الفضة، النحاس)، بل كذاك في مخزونات المعادن النادرة، الضرورية والحيوية في مختلف الصناعات عالية التكنولوجية: الهواتف، أجهزة التلفاز، بطاريات السيارات، الصناعات العسكرية….
معدن الكوبالت في منجم “جبيل” بقلعة السراغنة، الهيليوم في منطقة جرسيف، إضافة لرواسب لمعادن الذهب والنحاس تم اكتشافها حديثا في منطقة الأطلس الصغير. مع ملاحظة أن المغرب هو الأول أفريقيا في إنتاج الفضة والبارتين، الثاني في الرصاص والزنك، الثالث في الكوبالت والفلورين…وما خفي أعظم!
أكثر من 120 موقع للتنقيب عن المعادن أغلبها في مناطق درعة، أزيلال، الحوز وغيرها…لا يكاد السكان المحليون يستفيدون منها. علما أن قطاع التعدبن يمثل ربع الصادرات المغرب من حيث القيمة، و10% من حجم الناتج الداخلي الإجمالي.
شباب تلك المناطق يعاني التهميش والبطالة. وحتى إن اشتغلوا مع الشركات الأجنبية المُستغلة للقطاع فبثمن زهيد وتحت ظروف عمل صعبة، بينما يذهب الجمل بما حمل -وكما العادة- للبراني.
مجاليا، تعاني المناطق المنجمية من تهميش يبدو وكأنه مقصود: خلاء دون بنية تحتية ولا مصانع ولا منشآت خالقة لفرص الشغل، مع تحمل التبعات السلبية للمناجم: تلويث واستنزاف الفرشة المائية، تلويث الهواء…الخدمات ففي حدها الأدنى من التعليم للصحة للخدمات الإدارية، أما مناطق الترفيه فمن سابع المستحيلات!!
ولأن الفيل دائما ما تعوزه فيلة، فقد كانت أهم مناطق المغرب المنجمية عرضة لكوارث طبيعية زادت الطين بلة من فيضان درعة لزلزال الحوز. كوارث نزعت ورقة التوت عن مخططات الدولة غير النافعة ولا المُجدية في منح سكان المنطقة أبسط الحقوق الإنسانية: 120 مليار درهم قالت الدولة إنها أنفقتها لتنمية مناطق الواحات وشجرة الأركان بين 2012 و2022 ؟!!!
الحلول / البدائل:
مجاليا:
ما فيها باس يتم إقرار تشريعات ترفع حصة المجالس المحلية من موارد المعادن التي تقع في نفوذها الترابي. وإذا كنتم تخشون منح الناس (بشرا وجماعات ترابية) حقهم حبَّة حتى لا تفتحوا أعينهم على ثرواتهم المُستغلة، فعلى الأقل ارفعوا من حجم الضرائب الواجب على الشركات منحها مباشرة للمجالس المحلية، مع الحرص على أن تذهب تلك الأموال لتدعيم البنية التحتية.
بشريا:
☆ وضع كوطا تلتزم الشركات الأجنبية بموجبها بتشغيل أبناء المنطقة ومواكبتهم، مع تحسين ظروف العمل: الأجور، التأمينات، التقاعد.
☆ توفير برامج تكوين لتمكين الساكنة المحلية العاملة أو المُعتاشة من النشاط المنجمي من تغيير مسارهم المهني بعد إغلاق المناجم.
☆ وضع استراتيجية تمويل مناسبة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الراغبة في ولوح القطاع.
☆ إقرار إعفاء مؤقت من الضرائب مدة خمس سنوات لفائدة المقاولات المغربية الصغيرة والمتوسطة، يدخل حيز التنفيذ ابتداء من السنة الأولى للاستغلال الفعلي للمنجم.
☆ تبسيط المساطر الإدارية الخاصة بمنح رخص البحث والاستغلال المنجمي.
☆ إنشاء صناعة تعدين عمومية قوية على شاكلة صناعة استخراج وتثمين الفوسفات، بهدف استفادة الدولة بشكل مباشر من موارد معادنها.
☆ إقرار تشريعات تُلزم الشركات العاملة باحترام المعايير البيئية في مناطق الاستغلال، مع مأسسة الحق في تقديم الشكايات من قبل الساكنة المحلية وضرورة إنصافهم و تعويضها في حالة الضرر.
وللقصة دائما بقية….







