أفادت صحيفة لوفيغارو أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، دخلت شهرها الثالث، بعدما خفّت حدة العمليات العسكرية المباشرة، ليتحوّل الصراع إلى مواجهة اقتصادية يسعى فيها كل طرف إلى الضغط على خصمه عبر إجراءات مضادة.
وأوضحت الصحيفة أن إغلاق مضيق هرمز قوبل بحصار على الموانئ الإيرانية، في وقت لم يتحقق الحسم الذي تحدث عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بداية النزاع. وباتت الحرب أقرب إلى نزاع طويل الأمد، أشبه بما يُعرف بـ”الحروب المجمدة”، حيث لا رغبة في استئناف القتال ولا استعداد للتوقيع على اتفاق سلام.
وأضافت أن هذا النزاع كشف ملامح مرحلة عسكرية جديدة، تلعب فيها الطائرات المسيّرة، سواء الجوية أو البحرية، دوراً محورياً إلى جانب الصواريخ ومنظومات الدفاع، التي أصبحت تضاهي الطيران من حيث الأهمية.
ومن زاوية استراتيجية، أشارت الصحيفة إلى أن واشنطن بعثت برسالة واضحة بشأن استعدادها لاستخدام القوة، ما يناقض تحليلات سابقة كانت تتوقع ترددها. غير أن ذلك تزامن مع إبراز حدود قدراتها، خاصة مع اضطرارها إلى إعادة نشر معداتها العسكرية بين جبهات مختلفة.
كما أبرزت الحرب، وفق المصدر ذاته، بعض أوجه القصور لدى الولايات المتحدة، من بينها ضعف التخطيط الاستراتيجي، والتردد في الدفع بقوات برية، إلى جانب الانشغال بالتبعات الاقتصادية المباشرة. في المقابل، أكدت الأحداث التفوق التكنولوجي الأمريكي وكفاءة قواته، خصوصاً في تنفيذ عمليات إنقاذ معقدة لطيارين سقطوا داخل الأراضي الإيرانية.
وبخصوص إسرائيل، فقد أظهرت قدراتها العسكرية بدورها، حيث برهنت على امتلاكها قوة جوية متقدمة قادرة على تنفيذ عمليات دقيقة وبعيدة المدى، رغم محدودية مساحتها مقارنة بخصومها، بل إن قدراتها، من حيث النوع، تفوق بعض القوى الأوروبية.
في المقابل، كشفت الحرب هشاشة الموقف الأوروبي، سواء من خلال تعميق الخلافات داخل حلف شمال الأطلسي، أو عجز دوله عن تأمين طرق الطاقة أو حماية أراضيها، كما حدث في الهجوم الذي طال قبرص.
ورغم الهيمنة الجوية والبحرية للتحالف الأمريكي-الإسرائيلي، فإن ذلك لم يكن كافياً لتحقيق نصر حاسم، إذ تمكنت إيران من الرد بفعالية غير متوقعة. فقد فاجأت صواريخها من حيث العدد والقدرات، خاصة تلك المزودة بشظايا والقادرة على إرباك أنظمة الدفاع، إضافة إلى مدى وصولها الذي امتد إلى محيط دييغو غارسيا في المحيط الهندي، ما يفتح نظرياً إمكانية تهديد أوروبا.
كما لعبت الطائرات المسيّرة دوراً بارزاً في استهداف منشآت حيوية، منها مواقع نفطية وغازية، وأهداف عسكرية حساسة مثل الرادارات وطائرات التزود بالوقود والإنذار المبكر، مستفيدة من دعم معلوماتي عبر صور الأقمار الصناعية، في حين يظل انخفاض تكلفتها مقارنة بالصواريخ الاعتراضية أحد أبرز استنتاجات هذا النزاع.
وفي البحر، أظهرت القطع الأمريكية قدرات دفاعية مهمة، إذ تمكنت حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” من اعتراض عشرات الصواريخ، مع حفاظها على مسافة آمنة من السواحل، بينما شكلت الطائرات المسيّرة البحرية الإيرانية عنصر ردع، حتى دون استخدامها المباشر.
كما أعادت الحرب الاعتبار للألغام البحرية، التي أثبتت فعاليتها رغم بساطتها، إذ كان مجرد احتمال وجودها كافياً لتعطيل الملاحة في مضيق هرمز. وتملك الصين مخزوناً كبيراً من هذه الألغام، ما يمنحها ورقة ضغط محتملة في مضيق تايوان.
وسجلت الصحيفة أيضاً بعض نقاط الضعف الأمريكية، خاصة في مجال كاسحات الألغام التي خرجت من الخدمة قبل اندلاع الحرب، إضافة إلى الحاجة لتعزيز القدرات البرمائية متعددة المهام.
واعتبرت “لوفيغارو” أن الحصيلة الاستراتيجية تبدو متباينة، إذ نجحت إيران في الصمود رغم الخسائر واستهداف قياداتها، وهو ما يمكن اعتباره مكسباً وفق بعض القراءات.
في المقابل، استفادت روسيا من ارتفاع أسعار النفط وتخفيف بعض القيود، مع استمرار دعمها لطهران دون مواجهة عقوبات إضافية، بينما تأثرت الصين بإمدادات الطاقة لكنها استفادت من استنزاف الولايات المتحدة لمخزونها من الذخائر، ما دفع واشنطن إلى تقليص حضورها في آسيا.
كما أثار تجاوز القانون الدولي من قبل الولايات المتحدة، من خلال شن الهجوم دون إنذار، مخاوف من أن يشكل ذلك سابقة قد تستغلها الصين في أي تصعيد مستقبلي مع تايوان، خاصة في ظل التشابه بين مضيقي هرمز وتايوان من حيث الأهمية الاستراتيجية.
وختمت الصحيفة بأن مآلات هذه الحرب لا تزال غير واضحة، إذ لم تترجم النجاحات العسكرية إلى مكاسب سياسية حاسمة، في وقت يعكس فيه هذا النزاع تحوّل الدور الأمريكي منذ نهاية الحرب الباردة، من قيادة تحالف دولي واسع إلى خوض نزاعات محدودة وبشركاء أقل، مع استمرار الفجوة بين التفوق العسكري والنتائج السياسية.







